| | |

حتى نلتقي – الدفتر

ה- 05/10/2017 9:01
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

لا أذكر بالتحديد متى شاهدته، لكني أعتقد أنه في صيف عام ١٩٩٠، كان والدي رحمه الله ينسخ فيه أمام البيت، كان والدي يحب كتابة اللغة العربية وله خط جميل منمق، كان يرتب ويكتب بتروٍ، لم أعر الدفتر  انتباهاً، إلا أني وجدت نفسي  أتسآل ما هذا الدفتر الصغير، وما شدني أكثر هو أن والدي كان يضعه مع الأوراق المهمة، فهو ليس بعادي، وتمر الأيام وينتقل والدي إلى رحمة الله تعالى، وبين مجموعة الأوراق كان الدفتر.

يوسف أبو جعفر

يوسف أبو جعفر

لم أتوقع يومها أن يكون جزءً من الميراث، إلا أنه كان أهم ورقة مخطوطة بخط والدي، وحتى لا يبلى قمت بنسخه بخط يدي علىً دفتر اخر، ولحسن حظي فقد كانت هذه خطوة ذكية، فقد أضعت النسخة الأصلية فيما بعد، ولا أدري حتى اليوم كيف ضاعت.

لم يمر عام على وفاة والدي فأجدني بصفتي الأخ الأكبر إلا وقد قمت أنا بكتابة دفتر جديد، وبعدها بعام قمت بكتابة دفتر اخر ، وأستمر الامر والدفاتر تتراكم، كلها تكبر في الحجم والمعلومات أصبحت أكثر دقة وأسهل فهماً.

فالدفتر الاول كان يحوي أسماءً قليلة وبجانبها الوصف، كيس سكر وكيس رز. خروف ، خروف جيد، ١٠٠ دينار أو تقل أحيانا وقد تزيد حيناً، أما الدفتر الثاني فكان في أعلاه سعر الصرف للدينار والدولار، ثم كانت أكثر الهدايا مالية صرفة، وقليلٌ من الخراف، وهكذا دواليك ازداد عدد الدفاتر.

كانت تختبئ الدفاتر في الشتاء فلا تظهر حتى أول الصيف عند بداية موسم الأعراس، عندها في المساء يتذاكر الناس الاعراس المقبلة فيقوم الكل بفحص دفتره، وتبدأ عملية الشطب، أو محي الأسماء، وكأن ذلك من طقوس الصيف، وقلما كان هناك عُرسان في يومٍ واحد، بل وعدد الأعراس قليل، وهكذا استمر الدفتر يختبئ شتاءً ويظهر في أواخر الربيع مبتسماً أنه عاد للحياة.

كنت أعتقد أن ثقافة الدفاتر أقتصرت على الرجال، وعندما اكتشفت أن للأم دفتر وللزوجة دفتر وللأبن دفتر  وللبنت دفتر اخر  وأصبح الأمر عبئاً لا يُطاق خصوصاً عندما زادت وتيرة وعدد الأعراس، حتى مع إنخفاض  مبلغ الهدايا المالية وإختفاء الهدايا  التقليدية من خراف وسكر وأرز ، إلا أن التذمر كان واضحاً ولم يعد الأمر كالماضي فيه السعادة والسرور، بل كثرة في المصاريف  والتزامات أكبر بكثير، حتى أنه قلما تجد أسبوعاً من أوائل نيسان وحتى أواخر تشرين الثاني دون عرس، أن لم يك أكثر من ذلك في نفس الاسبوع، وأنهكت الناس المصاريف وكما قالت لي إحداهن،  دفتري بجانب سريري ، أتفقده يومياً في الصيف، أو كما قال لي صديقي أصبحت أكره الصيف، الأمر أصبح اكبر من قدرتي ولا أستطيع التراجع عند تقديم هدية، نقوط، قَوَدْ( المبلغ المتعارف عليه، كان سابقاً يمثل خروف أو ثمن خروف).

لماذا نصر على الاعراس الكبيرة وعلى ترسيخ العادات التي تنهك أهل العريس والضيوف؟ لماذا نرتكب الخطأ مرتين أو أكثر؟ لماذا أصبح البعض منا يعيش حالات أعراس شوفوني يا ناس، ولماذا أصبحت تقاس الاعراس بحجمها وضجيجها المرتفع؟ لماذا أدخلنا إلينا تقليعات عجيبة وغريبة فالطائرات ترمي الحلوى أو تحمل العروسين، وناهيك عن سيارات الليموزين الطويلة؟  لماذا أدخلنا روؤسنا إلى متاهة لم تكن يوماً من ثقافتنا ، حتى أصبح صاحب العرس مكرهاً أخاك لا بطل. أسئلة كثيرة تبحث عن أجوبةٍ، والجواب معروف لنا ولأننا كما قالوا نرى الذئب ونقص أثره فنحن في مرحلة بحاجة إلى تصحيح المسار، إلى التوقف ومراجعة الحسابات وأن نقول دون خجل، يجب إعادة النظر في كل المسألة من جميع الجوانب.

قد يقول قائل تشريف بدون تكليف، نعم ولكن هذا أحد الحلول وليس كلها، وما نراه اليوم تشريف دون تكليف كان عيباً في ثقافة البدو قبل خمسة عشرة عاماً، عندها رفض كثير من الجيران مشاركتي عرس أخي إلا بتقديم الهدايا وعندما رفضت قطعياً منهم من ترك العرس، يجب أن يكون أكبر من رغبة شخصية، أنما أن لا يشعر الناس بالحرج لا الضيف ولا المضيف، فالحياة غالية وتكلفة الاعراس أصبحت خيالية، لذلك لابد من بعض التعديلات .

فليقتصر العرس على فرد أو اثنين كأقصى حد من كل عائلة، من قال أن الزوجة والأبن والبنت والجميع عليهم القدوم للعرس وأحيانا تصطحب النساء الأطفال، لا بأس بالمباركة دون هدية خلال الأسبوع، ليس إجباراً حضور جميع الأعراس وليعذر بَعضُنَا بعضاً، ليس الأمر فقط مادي، أنما قد أحب أن يكون عرس ابنائي متواضعاً، لماذا أُجبر على تقليد الآخرين .

لا بأس بعرس في يوم واحدٍ، لا بأس بعرس متواضع، لا بأس بوليمة مختصرةٍ بعد عودة العروسين من زيارة  أنطاليا التي أصبحت ركناً من مراسم الزواج، لا بأس في كل حلال لا ينافي شرعنا الحنيف، إنما لا وألف لا لمن يحاول أن يجعل حياتنا في الصيف تختفي لتصبح رهينة الدفاتر، تلك التي نريد أن تبقى موروثاً طيباً وليس دَيناً.

وحتى نلتقي أكتبوا دفاتركم أنتم بتصرفكم وبعقلانية ، لا تجعلوا الآخرين يملون عليكم كتابتها، ولا تحزنوا فكل أصحاب الاعراس إلا ما ندر، كانوا وما زالوا يتمنون أن تكون دفاترهم صغيرة جداً حتى لا تستنزف قواهم صيفاً، وقد أقبل الخريف أقول لكم مبارك زواج ألابناء والبنات وعذراً لمن لم نستطع مشاركتهم هذا العام أو أعوام قادمة .

رهط ٥/ أكتوبر / ٢٠١٧


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...