| | |

ما بعد القهوة| حين كنا صغارا

ש- 25/11/2017 14:47
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

بقلم: رئيس التحرير ياسر العقبي

حين كنا صغارا كانت هناك ألفة حتى في شظف العيش، أو ربما بسببه.. وكانت حلاوة حتى في رحلتنا إلى 'الكبانية' في أم بطين على ظهر الحمار الفاضي يومها من نقل المياه من البئر المتواجد في خربة حورة..
يضعوننا في الخُرج، كل في جهة، وتبدأ الرحلة السعيدة، حتى نلتقي 'التمرجي' الذي يستل حقنته بطول عشرين سنتمترا على الأقل، فتتحول الرحلة السعيدة إلى لقاء خوف وبكاء، يتناغم معه بقية الأطفال فتبدأ سمفونية البكاء تملأ أطراف العيادة المؤقتة.. وتبقى الندبة ترافقك على الكتفين مدى الحياة..
أحن إلى الماضي البعيد بعد 48 عاما من الحياة، و-30 عاما مع مهنة الصحافة، فألمس هذا الكم الهائل من التغيير التكنولوجي الذي اقتحم حياتنا فتحولت من حوار ونقاش في 'الشقوق' إلى وجهات نظر تطرح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة 'الواتس-أب' تنتهي أحيانا بمغادرة فلان المجموعة.. وأحيانا نعرف فلانا برقم هاتفه فقط…
حين أرى هذه النعمة/النقمة التي نحن فيها، أحاول أن ألخص تاريخ العقود الخمسة في كلمة فأقول إنها 'ثورة افتراضية'، للأسف معظم ما أخذنا منها سلبيات..
وأحن كثيرا إلى 'طوشات' زمان حين كان السلاح فيها حجارة غير حادة ترشق عن بعد، لئلا تسبب إلى عاهات مستديمة، وتنتهي برجل بالغ من عائلة أخرى يصرخ بالعبارة المعروفة 'وجه فلان على الجانبين ثلاثة أيام'.. حتى الصغار الذين يسمعون هذا النداء يتوقفون عن رشق الحجارة، مستعينين بكبار العائلتين الذين منذ بدء المعركة يكررون الجملة التي نسيناها للأسف: 'لا يا ولاد.. روح أنت واياه ع بيتك..'
أحن إلى تلك الأيام التي كانت عبارة عن تكافل اجتماعي، بدون مصالح.. فالصريف يبنى خلال ساعات بعد فزعة كل أبناء العشيرة، وتنتهي بالفتة البدوية التي يجتمع عليها الجميع وينهون وجبتهم بقول 'الحمد لله'، حتى لو بقوا 'نص بطن'…
أحن إلى تلك الأيام التي ينتهي فيها اليوم في ساعات الغروب، حين نلعب كرة القدم حتى لا نفرق بين كرة القدم وقدم الخصم، ويعود الجميع للاجتماع في بيوتهم، عند سدول الليل.. ويلتفون حول التلفزيون الأبيض والأسود الذي يجتمع حوله الأطفال، في حين يتحاور الرجال في شؤون العشيرة في 'الشق' حين يقوم الشيخ، على حل مشاكلهم في الداخل والخارج قبل تدهور الأوضاع، وفانوس واحد معلق في الوسط، لا تستطيع أن تميز وجوه الخير منه.. كان الرجال حريصين على كل كلمة يتفوهون بها، لأنهم يعرفون أنهم مسؤولون عما يقولون، ويحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبهم اليوم، واليوم كل واحد ثاني عنده 'شق' و'أفهم واحد في الدنيا' ويطلقون العنان لكلماتهم بدون رقيب ولا حسيب ولا حتى 'يلحقوا كلامهم'- أي لا يتحملوا مسؤولية كلامهم، إلا من رحم ربي…
أحن إلى 'عظم مراح' – هذه اللعبة الليلية التي نبدأ فيها برمي العظم والبحث عنه في ليالي البدر مرة في كل شهر.. وإلى لعبة 'زحاليق الشتاء' ولعبة 'سيف الله المسلول' الذي نتبنى فيها سيوف من الخشب، وتنتهي مع إصابات ذاتية، ورفض الفارس أن يموت… وهل خالد ابن الوليد مات بالسيف؟!
أحن إلى 'سعن' جدتي.. وجميدها.. وعفيقها.. وخبزها الصاج الذي تطهاه من قمح أرضها العزيزة.. واليوم حياتنا عبارة عن 'ديليفري'..


أنا وشقيقي الأكبر شاكر في 'رحلتنا' إلى أم بطين.. الحجر في يدي اليمنى لتوازن الخُرج


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...