| | |

حتى نلتقي – بين الشتاء والحياة

ש- 02/12/2017 11:41
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب
يوسف أبو جعفر

يوسف أبو جعفر

تأخر الشتاء هذا العام إلا من زخات مطر خفيفة، أو هكذا رأيته، فالمطر كان يؤنس نومنا أطفالاً حين يتساقط على صفيح سقف البيت فيصدر عزفاً فيه زخمٌ، وحين يتساقط على التربة لحنه أقرب إلى ألحان الحب الحزينةِ، يملأ المكان شوقاً من حرقة لقائه بالتربة، الْيَوْمَ لم يعد صوت المطر مؤنساً فسقوف بيوتنا أصبحت إسمنتية عازلة للصوت، ولَم يعد فيها ثقوب لتصبح واكفاً لتخرج ذلك الصوت المزعج لصوت المطر يتساقط إلى دلوٍ، تأخر الشتاء ويبدو أنه يحمل في طياته الكثير.

الشتاء يغسل الارض، يطهرها من الرجس، يبعث فيها الحياة بعد الموت، يرسل فيها برقاً ورعداً شديدين، يبعثنا لنختبأ في بيوتنا باكراً، نبحث عن الدِّفْء وبين هذا وذاك يذكرنا بدورة الحياة.

كل الأمم تمر بمرحلة الموت ثم يأتي شتاؤها، إلا بلادي ما زالت تبحث عن الصيف، وتخاف من الشتاء، ذلك الذي يبعث فيها الحياة، تخشى أن تولد من جديد، ترفض أن تُغيَّر أو تَتَحدث، تأبى إلا القديم، ذلك الصيف الملتهب الذي يقتلها، وترضى بالماضي ولو بالقشور، بل وتحبه جداً، لأنه يبقيها جامدة، ترفض أن تجرب، تريد أن تحافظ على ما تعرفه ( الي بنعرفه أحسن من الي ما بنعرفه) تخاف ومن شدة الخوف تموت كل مرة من جديد،  وأكثر ما يؤلم أنها تصرخ بكل وقاحة عندما تبعث بالقديم أنها مولودة الآن وتتغنى بمن

يأدوها كل يوم .

تأخر الشتاء فلم نحرث الأرض ولَم ندخر الزرع وأصبحت الجنان صحارى، وما عادت تنفع أصبحت عاقراً لا تلد  إلا نادراً وبعملية قيصرية، وكثيرٌ يحاول قتل المولود حتى  اذا أصبح يافعاً وبدأ يسألنا عن الشتاء جهزنا لقتله فإن لم نستطع نسبناه إلى غير أبيه، وتركناه  يصارع ليزرع لنا أرضاً وقد نقوم بتخريبها نحن لأننا نخاف أن تبعث فينا الحياة من جديد.

أنه ليس حديث المتشائم بل حديث الواقع، في كل مكان حولنا من المحيط الى الخليج نمثل المحيط الكبير، التسلط  في الحكم ولو بأسم الديمقراطية، نتغنى بالعلم ونختار الجاهل، ننادي بالعدل ولكن على الآخرين، نرفض الظلم ولكننا به نستعين، اذا اختلفنا كرهنا، وإذا أحببنا نسينا الزلات لا نحاسب القريب ونرفض حق الغريب، ثم نقول أن الربيع قادم ونحن نأبى قدوم الشتاء، ونخشى زخات المطر تلك التي تطهر الأرض وتعيدها حبلى.

نحن بحاجة إلى شتاء سيله عظيم يأخذ فيه  حماقاتنا وعيوبنا وخوفنا إلى الأبد، يجرف الصخور الصلدة الراسخة على القلوب، يفجر في الأرض ينابيعاً، يحيل أوديتها أنهاراً، يحطم أصنام الحداثة المزيفة، يجرف صدأ الماضي، يبحث في سراديب الأرض عن العقيق والماس، يمسح عن كتبنا غبار النسيان، يرسم جدولاً يفتح درباً على جبلٍ لنبحث عن الشمس لتشرق على الارض بوجوهٍ جديدة تبحث عن المستقبل، عن ولادة حياة.

وحتى نلتقي أرجو لكم شتاءً يبعث الحياة، يرسل الأمل إلى عقولنا أننا لا بُدَّ منتصرون على الخوف وعلى من يريد أن يجعل الخوف حياتنا، دمتم بخير .

رهط ٣٠/تشرين ثاني/٢٠١٧


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...