| | |

حتى نلتقي – غزة العزة

ו- 29/12/2017 9:35
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب
يوسف أبو جعفر

يوسف أبو جعفر

ولدت في حورة وكنت أعتقد أن جبال خويلفه أو عوجان هي نهاية العالم، هناك كانت تلامس الأرض السماء، وتصبح السماء قبة  دائرية، لم يشرح لنا أحد معنى الأفق، كنّا ننظر للغرب على أنه أجمل، فقد كان والدينا يتحدثون عن الغرب والشمال بلهفة، فنحن على حدود الصحراء، لم أكن أعلم أن بعد الجبال أحد، وكبرنا وبدأت القبة تتسع إلا أن الحدود بقيت غامضة وتعدت قليلاً جبال خويلفه لأكتشف أن بيت جدي يقبع خلف الجبال، حيث السهول تمتد بلا نهاية، وحين كنت أقف أنظر إلى الغرب كانت السماء تلامس الأرض  والقبة أصبحت أفقاً.

لا أذكر متى كان ذلك ولكن من المؤكد أنه كان بعد عام ٧٣، كانت السيارة بيجو ٤٠٤ تنهب الأرض، وصوت الشادر البلاستيكي يأتي قوياً مزعجاً، المقاعد خشبية كنّا ننظر خارجاً والريح تلطم وجوهنا بشدةٍ، والأفق يهرب منا، نلاحقه بعيوننا، نعد الأشجار على جانب الطريق، بدت عملاقة فقلما كان في حورة ومحيطها شجر، وبدون مقدمات أو شروح اذا نحن أمامها، عملاقة مترامية الأطراف، كلها تتكلم العربية، شوارعها مليئة بالباعة، لم تتوقف السيارة واستمرت غرباً، بين هذا وذاك استغربنا كل شيء، لم يكن هناك مَن  المألوف شيء، حتى توقفت واختفى صوت الريح وضجيج الشادر، هناك على الشاطئ الرملي كان بحر غزه، زرقته ولون رماله وأمواجه جعلني  ألتصق بقدم أحد الكبار، لا أدري رهبة أو خوفاً، إلا أني لم أمتلك الشجاعة للأقتراب ألا بعد ساعة أو أكثر، كانت عيوني تبحث عن الأفق الذي رحل بعيداً في عمق البحر وبين عمارات بدت حينها مرتفعة تلامس السماء لطفلٍ يشاهد غزة لأول مرة في حياته.

البحر سيد الموقف إلا أن غزة كانت لا تخشى الغرق، لا تخاف البحر، بل تعشقه وتحبه، وأظن البحر كان يبادلها العشق، فهم كانوا يأتون بقوة ويقفزون بين أمواجه أما نحن فكنا نشمر عن أقدامنا ليلامسها ما بقي من موج، نركض نحاول جمع أصداف البحر، نرسم على الرمل ليأتي الموج فيمحو كلماتنا، وبين هذا وذاك، وزيارة أقرباء يومها، عرفت أن غزة شيء آخر،لم أعرف كنهه إلا بعد سنين حين أصبحت غزة عِزَّة .

رغم صغر مساحتها إلا أنها كانت تحدد حياتنا، فأصبحت غزة أفقنا، وكبرنا وكبرت وتحررنا من عقد الخوف كلينا، فقد كانت تخافنا وكُنّا نخشاها، وعادت تحتضنا إليها وأصبحت شوارعها ملاذنا وحوانيتها ومكتباتها وجهة البعض منا، وأقلنا حظاً كان يرى في مطاعمها  الشعبية وجهة لتذوق طعام بنكهة المشتاق.

لم يصدق أحد يوماً أن هذه المساحة الصغيرة الغنية بالبشر ستصبح أسطورة ، فغزة الهادئة الوادعة لم تعلن يوماً أنها ستنجب رجالاً وماجدات، بل فعلت ذلك بهدوء حتى جاءت ساعة الصفر، يومها  في أيلول عام ٩٣ عندما زارها ودخلها ياسر عرفات، كانت شيئاً اخر، أعلنت يومها وبكل هدوء أنها ستحمل في رحمها المفاجأت.

ما عادت غزة تلك الطفلة الوادعة، وجاء الكثيرون، إلا أنهم لم يبصروا قبر شمشون  الجبار في حواريها، وليتهم تذكروا لعلموا أن غزة لا تموت ولا تنتحر، قد تخلد إلى النوم حيناً إلا أنها تصحو على صوت الموج، غزة تلك التي يحاول كثيرون تقزيمها ترفض ذلك، نساؤها أمهات ماجدات، رجالها يصنعون المستحيل، وأطفالها يركضون خلف الأمل لغدٍ أفضل، فيه ينتهي الظلم.

غزة أكبر من الحصار، غزة أكبر من الطغيان، غزة ليست أرضاً عادية، غزة هي ذاكرة الإنسانية كما إنها الذاكرة الفلسطينية، قد يحب غزة  قوم وقد يكرها اخرون، إلا أنها ستبقى ولن تغرق في البحر.

وحتى نلتقي ليت أمالنا تعيدنا إليك يا غزة أطفالاً ورجالاً، ليت الباب يفتح لتعرفين كم نحن مشتاقون لك ولأهلك، لكل شيء فيك.

لا بأس عليك فأنت غزة العزة

رهط ٢٨/ كانون أول /٢٠١٧


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...