| | |

حتى نلتقي – سارق الإبتسامة

ו- 05/01/2018 8:22
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب
يوسف أبو جعفر

يوسف أبو جعفر

صوت الزغاريد كان مرتفعاً، غطى على ألم الولادة، حتى الأم كانت في نشوةٍ، صحون الحلوى وزعت، المهنئون عادوا إلى  بيوتهم والوالدين أعدوا غرفة النوم للمولود، وبدأوا برسم المستقبل الوردي. زيارة الطبيب بعد أسبوع أعادت الأم إلى البيت في قلق وحيرة، هو طفل  ولكنه لن يكون كغيره، إبتسامته ساحرة جميلة جداً لكنه لن يكون كغيره. هكذا بدون مقدمات أكتشف الوالدين أن الطفل البريء لن يكون كأخوتهِ، أنه بحاجة إلى كل شيء خاص، حب الأم لإبنها لا يعرف التعريفات الحديثة، ومع الابتلاء يأتي الصبر ويزداد الحب، بل يصبح أحبهم إلى القلب.

ليس غريباً حدوث الحالة وبتفاوت كبير بين أطفال يولدون وإحتياجاتهم مختلفة، منهم الجسدية،  النفسية، وأحياناً تعريفات كثيرة  بحاجة إلى أخصائي لشرحها، إلا أن قدرهم الأول والأخير أنهم بحاجة إلى مساعدة من الآخرين .

في عام ٩٦ زرت مدينة سوست Soset في هولندا، وخلال تجوالي لاحظت إختلاف في نوع بلاط الارصفة عند التقاطع، وبطبيعة عملي آنذاك سألت عن السر فافادوني أن هذا البلاط لمساعدة  من فقدوا حاسة البصر،  هل رأيتم ضريراً في المنطقة؟ فقالوا ليس هناك أي ضرير ولكنه أمر وحق لعل أحدهم يمر فلا يتعثر أو يصيبه مكروه.

هذا حالهم قبل عقدين من الزمن، أين نحن من ذلك وليس في مجمل الحديث الديني الرأفة والرحمة، كلا بل من حديث حقوق هؤلاء الذين نُمتحن نحن  بقدرتنا على إعطائهم كامل حقوقهم، بل وأكثر، قد يُغضب ما سأكتبه الكثير من الناس، لإن الألم  ليس مشتركاً، لأن الهم منفرداً، لأن  سارقي الإبتسامة  منهم كثيرون الْيَوْمَ ، رغم تصريحاتهم المتعددة والمتكررة عما يقدمونه لهم.

كل أب أو أم لا تعتبر وليدها الذي قدره أن يكون من أصحاب الإبتسامة الجميلة ويرفض  أيهما أو كليهما رد الإبتسامة له، هو السارق الأول لبسمتهم،  لأن أبتسامته لهم هي جواز سفرهم في هذا الزمن. عندما لم يردوا الإبتسامة، أعطوا أنفسهم عذراً أن يلبس أقل من إخوته، وأن يستمتع بالحياة أقل ، كل شيء أقل وأحياناً لا يحصلون على شيء، لقد مر زمن كنت أرى فيه كيف يعاملون أولادهم وقد شُد وثاقهم، أو تُركوا جانباً، أرجو أن يكون هذا الزمن قد ولىَّ إلى غير رجعة.

السارق الثاني المؤسسة والمسؤول، من الحضانة، الروضة، المدرسة الخاصة، وليس المقصود البناية بل ما اشتملت عليه من أدوات لوجستية، وقوى بشرية، وطعام ، ومدرسون، ومساعدون، ومقاولو السفريات، كل هؤلاء إن لم يبتسموا فهم السارق  الثاني والثالث والرابع.

اذا لم نقدم لهم خير المدارس، وخير الطواقم العلمية فنحن نسرق إبتسامتهم، عندما تطعمهم  المؤسسة أقل جودة، فهي تسرق إبتسامتهم، عندما نحملهم في سيارة لا تناسب عددهم فنحن نسرقهم، عندما نعاملهم بسؤ فنحن نسرقهم، وليس الحديث هنا دينياً صرفاً، بل وضع مرآة أمام عيوننا، ولا يظن أحد أني أتكلم عن مكان ما دون غيره، فمن يقوم بذلك هو المقصود في الداخل والخارج حتى في ولو كان في أقصى الأرض.

ألم شديد يعتصر الفؤاد يوم يأتي صاحب الإبتسامة بملابس رثة، ويكون  السبب أننا احتفظنا بحقه المالي للوالد كي يلبس هو أفخر الماركات، ويركب السيارة المخصصة لأبنه المقعد، ألم شديد عندما نخرج للجولات في الطبيعة ونتركهم خلفنا، ألم كبير عندما يبقون في غرف التدريس دون عناية أو رعاية، بل ولعلنا نقوم بأسوأ من ذلك ولا يعلم بِنَا أحد.

أيها السارقون الإبتسامة منهم، لا تغرنكم قدرتكم على الضحك الآن فسوف تبكون، هناك أنواع كثيرة للعدل الإلهي، كثيرٌ منها في الدنيا، من يدري ماذا يخبأ لكم الغد من يسرق إبتسامتكم، بل ويبكيكم.

إن الأمم التي تترك سارقي الإبتسامة يفعلون ما يشاؤن إنما تعلن اِفلاسها الخلقي في الدرجة الأولى، لن ترقى إلى مصاف الخير.

سارق الإبتسامة أحقر اللصوص إطلاقاً، لأن سارق المال لا يجرح القلب، والمال يعوض، سارق الإبتسامة يلبس هنداماً جميلاً ولكنه مجمع نفايات كاملة.

وحتى نلتقي اِحذروا سارقي الإبتسامة بكل مواصفاتهم، وإذا كُنتُم ممن رزقتم بأصحاب الإبتسامة الجميلة فلكم كل الحق في أن تكون إبتسامتنا لكم مضاعفة، فبكم نمتحن ولعلنا ننجح في الإمتحان.

٤/كانون ثاني/٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.