| | |

يُحكى أنَّ …

ש- 13/01/2018 10:06
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

سليمان سرور

في مهدِ الطُّفولةِ الأولى وأنت تعيشُ عالمكَ في روعتهِ الأولى وفي قِمّة الاستمتاع بأقصى درجات الحُرّيّة التي لا تحكمها إلّا حدود تفصل النهار عن اللّيل، وبعد هذا وفي لحظةٍ كأنَّها آتيةٌ من عالمٍ آخر تصغي لحديثٍ أشبهُ بقدوم حدثٍ يعرفهُ الجميع إلّا أنت.

ثُمّ أنّكَ تسمع كلمةً جديدةً تخترقُ ذهنكَ الصّغير فلا يحتَويها لِحَجمها الكبير المَهيب، تلك الكلمةُ الدّخيلةُ على بيتكُم الصّغير التي ينطقُها أهلكَ ومَن هُم أكبرُ منكَ بشيءٍ من الحِرص على إتقانها، وأنت تعجَبُ لِوَقْعِها في نفسكَ ولا تسأل كي تُتَيحَ لعقلكَ البريء أن يعيش بعض التّفكير في تلك الكلمة وهذا المُسَمّى الجديد بين التَّلَذُّذِ والحيرة، ويكفيكَ خوفًا وفُضُولًا أنّك ذاهبٌ إليه في أوّل يومٍ ترتدي فيه ملابسكَ الجديدة بعد أن تحرص أُمّكَ على غَسْلِ رأسك وتسريحِ شعرك وسط كَيْلٍ من الوصايا والتّحذيرات والإرشادات وهي تُعِدُّ لك بعض الأجوبة تقولها حين تُسأل ُ وقد تُعطيك نُبذةً عن شيءٍ هي لا تعرفهُ فقط لِتُشعرك بالأمان والثّقة.

نعم، هي كلمة "أستاذ" وفي لهجة الكبار (استاز) ذلك الاسم الغريب الذي ينقُلكَ إلى عالَمٍ غير عالمكَ، اسمٌ فيه من العَظَمَةِ ما فيه وأنت لا تدري ما هو أو مَنْ هو، ولكن عقلك يقول لك إنّهُ لَشَيْءٌ عظيم .

وتنطلقُ ورائحة البطاطا المَقْلِيَّة تَعجُّ من حقيبتك التي تشبه عشرات الحقائب حولك، مستطيلة الشّكل ناعمة الملمَس ثقيلة المَحمَل حادّة الأطراف ، لها أبَازيمُ حديديّةٌ قاسيةٌ يُسمَعُ لها صريرٌ عند الفَتح ورَنّةٌ عند الإغلاق.

ثُمَّ تصلُ إلى منطقةٍ هي أبعد ما وصلَتْ إليها أقدامك الصّغيرة لترى عدّة مَبانٍ مُبعثَرَةٍ تبدو كالقُصور التي وصَفَتْها لك جَدَّتُكَ في حكايات ( لَوْلَجهْ ) ما قبل النّوم، وسُرعان ما تقتربُ فيجرِفُكَ سَيْلٌ من الغُرَباء كبارًا وصغارًا لم يَذْكُرهُم لك أحدٌ من قبل، أو قُل إنَّ الحقيقة أكبر من كُلّ حكاية سمعتها في حياتك، تسمع كلامًا لأوّل مرّة وترى أشياء هي الأخرى لم يخطر ببالك أنّها موجودة، صراخٌ هنا وبكاءٌ هناك ونزاعٌ ومناوشات وحلقات لا تدري على ماذا يتفرّجون، ورجالٌ صُدورهم مفتوحة وشَعرهم طويل بعضهم يمسك بِعَصًا قصيرة في يدهِ ،

أمَا وقد وَدَّعَكَ عقلكَ وَشَردَ منكَ ذهنكَ لهَوْلِ ما رأيتَ وشعَرْتَ، فها قد عادوا إليك حيثُ وجدوكَ في مَوضِعٍ آخر ، داخل حُجرةٍ كبيرةٍ تجلسُ على كُرسيِّ وأقدامك لا تلامس الأرض، وحقيبتك ما زالت تختبئُ خلف ظهرك، أو إنّك أنت اخْتَبَأْتَ أمامها من عشرات العيون التي تراقبك وقد تكون في نفس حالتك بل أكثر ،

وفجأةً تجدُ نفسك أمام رجُلٍ يُشبه ما دارَ في مُخيّلتك قبلَ القدوم ينظرُ حولهُ ويُرتّبُ الأولاد في مقاعدهم ثُمّ ينادي عليهم واحدًا تلو الآخر فيسألُ عن الاسم ويكتبهُ في دفترٍ كبيرٍ ثمّ ما أن يصل إليك الدّور فتقوم وتمشي …وتمشي ثُمّ يُخيّل إليك أنّك قد تَعِبْتَ من المَشي قبل أن تصل ، فتواصل المَشي مرورًا بأكتافِ زملائك ووجوهم النَّاظرة إليك، لم يبقَ الكثير هي خطواتٌ وتصل فتَحُثُّ نفسك على المشي أكثر ليتغلّب انشغالك بمشيَتكَ على خوفك من عَظَمَة الموقف وَهَوْله ،ِ فتَمُرّ بما مرّ به من قبلك حيثُ يسجّل هذا الرّجل اسمك عنده وعلى جِلدةٍ دفترك أيضًا ثُمّ يفتحهُ ويكتب فيه أرقامًا بقلمهِ فتعودُ إلى مقعدك ورائحة الحِبر تتأجّجُ من دفترك .

ويبدأ الدّرس الأوّل في الصّف الأوّل للمرّة الأولى مع الأستاذ الأوّل.

ودُمتُم ســـــــــالِمين

– من رُفوف الذَّاكرة –

سليمان السرور


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • هل تعتقد أن الإسراف في الطعام يكثر في بلدك بشهر رمضان؟

    View Results

    Loading ... Loading ...