| | |

تَعاليل

ד- 24/01/2018 10:05
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

سليمان سرور

الشَّمسُ تَهوي نحو المَغيب بسرعةٍ والأجواء تزدادُ برُودةً و"عيد" يُسابقُ الوقت ليُنهي بعض التّرتيبات التي يُجريها كُلّ ليلةٍ، كعَزْل "البَهَم" عن أمّهاتها والتّأكّد من بعض النّعاج المُحتَمل أن تلد هذه اللّيلة، وكذلك إغلاق باب "الحوش" بطريقةٍ يصعب فَتحهُ إلّا لِمَنْ أغلَقَهُ.

يُنهي مهمّتهُ ويعود حاملًا على كتفهِ بعض الحطب وينادي من بعيد:

-"العَشا مطوّل"?

ثُمّ يشعل النّار وهو يعيدُ السُّؤالَ مرّةً تلو مرّة، وما أنْ أتَمَّ إشعال النَّار وطال لهيبُها حتّى أقبلَتْ ابنته نايفة وهي تحملُ صحنًا واحدًا وتضعهُ أمام أبيها فينظرُ إلى الصّحنِ مُبتسِمًا ويقول:

– خُبَّيــْززززة ?

عادت نايفة مرّةً أخرى وهي تحملُ الخُبز وبرتقالة، وجلسَتْ مُتَّكِئَةً على رُكبة أبيها وبدأت تقشِّرُ البرتقالة ثُمَّ تعصُر قِشرها باتّجاه النّار فأُثارها فضول الأطفال عن سبب خروج اللّهب المُلوّن ما بين الأخضر والبنفسَجيّ، فترفعُ وجهها الصَّغير إلى وجه أبيها وهي تَرقُبُ مَسار لُقمَتهِ من الصّحن إلى فَمه وتسأله:

– لماذا هذا اللون يا أبي?

فيَستعجلُ عيد لقمتهُ وتَزداد وَتيرة المَضغِ وكأنّه يُعِدُّ جوابًا لابنته، وبعد الابتلاع يقول لها:

– "اللّعب في النّار حرام"

هو لا يملك جوابًا أو تفسيرًا لسُؤال ابنته، وكذلك لا يريد أن يبقيها دون أجابة، وبهذا الجواب وضع حدًّا لإعادة السُّؤال مرّةً أخرى وَبَرَّأ نفسه من العَجز عن الرّد ، وما هي إلّا دقائق حتى قال لها:

-"وَدّي الصّحن لأمكي"

لم يغب عن بال عيد أنّ جارَهُ وعدهُ بالمجيء الليلة للتّعليلة عنده، وهذا الجار يُعدُّ من مُتابعي الأخبار والأحداث في العالم ومصدر معلومات مهمّ ولديه تحليلات سياسيّة واستنتاجات من أقوال الحُكّام وماذا قالوا في لقاءاتهم السِّرّيّة، وماذا سيفعلون وماذا يُخطّطون، ومَنْ اتّفق مع مَنْ، ودائمًا يتكهّنُ الحرب في نهاية حديثه، كما أنّهُ مطّلعٌ على كلّ صغيرة وكبيرة على الصّعيد المَحلّي فيما يخص التّأمين الوطني ومُستجدّاته وأسعار الحلال والقَشّ.

نبحَ الكلبُ نَبحةً واحدةً ثُمَّ وقفَ يَتَمَطَّى كالذي يعتذرُ عن فِعلتهِ، كيف لا وهو يعرف القادم معرفةً لا يخطئها إلّا سهوًا،

نعم، هو جارُ عيد الحج "أبو سالم"، ومن بعيدٍ يُسمَعُ دَبيبُ بُسطارهِ المُتناغِم مع نَحنَحاتهِ المُتواصلة، وبعد أن طرح السّلام وتَموضَعَ بينَ "المَراكي"، بدا كأنّهُ تَحَصَّنَ جيّدًا عن البرد، "فَرْوَة" وتحتها "الدِّيبون" وعدد من "الجَرَازي" ومنديلٌ أبيض وفوقه "الشّماغ" وعليه قُبّعة كبيرة من الصُّوف.

وتبدأ التّعليلة… .

– من أدب البادية –

✏️ سليمان السرور


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.