| | |

حتى نلتقي- صاحب الأفكار

ו- 02/02/2018 13:39
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب

من متابعتي لباحثين من أصول غير أمريكية المولد، أن أغلب أفكارهم عرضت في دولهم الفقيرة وكان من الممكن أن تنفذ في بلادهم الأصلية، إلا أن السخرية كانت نصيبهم فهربوا بأفكارهم

يوسف ابو جعفر

ما زلت أنتظر أن تخرج الأفكار إلى الورقة ، لكنها تأبى هذه المرة، أخالها تعتذر عن الحضور، فلقد أرهقها الانتظار حيناً والتجاهل أحياناً، لا بد أن سبب الإختفاء مرهون بواقعنا، الأخطار في كل مكان ، الأفكار تخاف على نفسها من الرصاص الطائش، لأنها لا تموت في نقاش ولكنها تموت عندما تغتال على يد من يملكون الرصاص يطلقونه عشوائياً، ليس عبثاً أن تبقى مختبئة، وكل محاولة لإخراجها من عقول الناس إلى أرض النقاش محفوفٌ بالمخاطر.

الأفكار لا تخرج يا سادة لخوفها على نفسها وعلى حاملها، فالمتربصون كثر، وحتى تتأكدوا من ذلك أنظروا حولكم نكرر نفس الجمل في كل موقعة، ننسخ الأفكار دون قراءة ، حتى ولو كانت فاشلة، وككل مشكلة لا يمكن أن تحل بالعقلية التي أوجدتها.

الأفكار الجديدة تأتي عندما نعطي الناس الثقة أنهم آمنون في طرحهم، وأن أفكارهم مهمة، وأننا سنفسح لها المجال لِتُناقش لا لتغتال، وأكثر من ذلك أن نناقش الأفكار لا أن نناقش شخص حامل الأفكار، أكثر الناس اليوم يرمون خلفهم أفكار عظيمة فقط لأنها جاءت من أشخاص معينين، هكذا نصم آذاننا عن أشياء وافكار مهمة فيها أحياناً خير للبشرية.

لقد لاحظت على مدى السنوات الاخيرة من متابعتي لباحثين من أصول غير أمريكية المولد، أن أغلب أفكارهم عرضت في دولهم الفقيرة وكان من الممكن أن تنفذ في بلادهم الأصلية، إلا أن السخرية كانت نصيبهم فهربوا بأفكارهم إلى من يستمع إليها، وهكذا أصبحت أمريكا أكثر قوة لأنها تستقبل الأفكار .
وهكذا نحن اليوم نعيد التجربة، لا نستمع ولا نصغي بل وكثيرٌ منا وصل إلى موقع المسؤولية التي تحتم عليه أن يصغي ويرفض ذلك متحججاً بأعذار واهية يملؤها الخوف من التجديد.

الأفكار الجميلة هي التي تحمل التجديد، أما القديمة فقد كانت مجددة في حينها، والذين يخافون من التجديد لا يدركون أن الزمن لا ينتظر، وأنك لن تحبس الماء وما زال النبع يتدفق ويملأ الوادي.

والأمثلة على ذلك كثيرة من يعترض عادة يدعي المحافظة على الأصل ولا يشارك فيصبح مستهلكاً لا حول له ولا قوة تُفرض عليه الأفكار أو المنتج، أو المنظومة.

لقد تعدى الأمر واستفحل فلا بد من إعادة الثقة، لا بدَّ من منظومة للإستماع للأفكار حتى لا تهرب أو تموت، وليس ذلك لأحد دون الاخر ، في مقدور كل مجموعة فكرية أو مؤسسة من بلدية ، مدرسة ، شركة، جمعية، حزب من وضع منظومة إستقبال الأفكار، على كل مدير اذا أراد أن يكون ناجحاً افساح المجال لطرح واستقبال الأفكار، وعليه أن يتذكر أن ما يقوم به خطوة جريئة عليه أن يعطيها حقّها ويوضع صِمَام آمان لمن يحضر الفكرة، وأن توضع الطرق السليمة لمناقشتها، دون حرج أو خوف.

إن عظيم الفائدة الذي ينتظر من يقوم بهذا الشيء لا يصدق، لأننا بحاجة إلى الأفكار لتنقذنا مما نحن فيه من الويلات أو المصائب التي تحيط بِنَا، انظروا حولكم ، كم نحن بحاجة إلى هذا الجانب لكي نرقى إلى مصاف العقول والأمم الراقية ولا نبقى في ذيل الشعوب، ليس تشاؤماً بل واقعاً.

ان التحجر الفكري الذي أصابنا جهزنا بكل وسائل اغتيال الأفكار، من تشويه الصيت والسمعة، الى التشكيك في النوايا، إلى أساليب الهمس واللمز إلى التخوين أو التقرب من السلطة، أو مخالفة الدين، والخروج عن الرأي العام، كل هذه منفردة أو مجتمعة خطورتها تكمن في أنها موجودة وذخيرة حية تنتظر الانطلاق كي تقتل الفكرة، لأنها تهدد بالتغيير، فالأولى أن نوجه التغيير من أن نتغاضى فيأتي زمن يعود إلينا بإعصار يحطم في طريقه الأخضر واليابس ونبقى بلا شيء مرة أخرى.

لا احد يستطيع أن يحدد من هم أصحاب الأفكار العظيمة القادمة، فلذلك مهم جداً أن نفسح المجال للجميع ممن يستطيعون تقديم افكارهم حتى ولو كانوا من خارج المنظومة، ولذلك تعتبر هذه النواة من العمل بداية مراكز الأبحاث والتطوير لدى كثير من المؤسسات الاستراتيجية في العالم، وهذا ليس حكراً على أحد، وليس العيب أن نتبنى طرق النجاح، بل اعتقد ان ذلك واجب .

وحتى نلتقي، في البداية كانت الفكرة فإذا انطلقت تتحول إلى خطط، إلى عمل ، إلى تجديد، ثم تأتي فكرة أخرى لتخطط وتغير ما عملنا، لأن الأفكار تتجدد كلما أعطيناها الحرية لتخرج دون خوف أن تغتال.

لا تخافوا من التجديد ولكن خافوا من الجمود، لا تقلقوا على الغد إذا أحسنتم وضع أفكاره اليوم، لا تخشوا أولئك الذين يتمسكون بالقشور ويظنون أنها من اللب، وخافوا ممن يريد السيطرة على العقول لتبقى في الخلف فيتحكم فيكم، حرروا الأفكار لتحلق عالياً حتى لا تصيبها سهام المنتفعين، لا تخشوا أن تعيدوا صياغة الحاضر فهو أمل المستقبل.

يوسف ابو جعفر
٢/شباط/٢٠١٨ البحر الميت


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...