| | |

إلى المدينة – (الجزء الثاني)

ו- 09/02/2018 10:16
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

وصل "عيد" إلى المدينة ونزل من الباص وابنته نايفة مُتَشَبِّثَة به والخوف والانبهار ارتَسَما بوضوحٍ على ملامحها وكأنّ السُّعالَ هَدَأ عنها قليلًا ليُعطيها فرصة استيعابِ هذا العالَم الغريب الذي وصلَتْ لِتَوِّها إليه، وكانت تلك المرّة الأولى التي ترى فيها أرضًا نظيفةً من الحِجارة، والطُّرق والممرَّات الملساء وأناسًا غُرَباءَ كالنَّمل بكثرتهم وحركتهم يأتون من كل حدبٍ وصوبٍ مُختلطين ببعضهم كالسّيل المُتدفّق الذي لا يتوقَّفُ لِلَحظة.

وكُلَّما نظرَتْ إلى ناحيَةٍ وجدَتِ الأمرَ ذاته فخُيَّلّ إليهاَ أنّ النّاسَ اجتمعُوا في مكانٍ واحد يحومون فيه ويعودون من حيث قَدِمُوا، وكُلَّما مشى أبوها ازدادَت الْتِصاقًا به، تلتفِتُ من ناحيةٍ إلى أخرى وسطَ الجَلبة وضوضاء السَّيارات وأصوات الباعَة والنَّاس، وروائح الأطعمة الغريبة التي تملأ الأزِقَّة والمَحالِّ، روائح لم يسبق لها أن استنشَقَتْها من قبل.

كُلُّ هذا وهي بين ذِراعيّ أبيها ينقلها من يَمين صدره إلى شماله، ووجهُها الصَّغير يُطِلُّ من خلف كتفهِ وهو يحُثُّ خطاه مع الرّصيف المؤدِّي إلى المستشفى.

وصَلا وبعدَ انتظارٍ يُفقِدُ المنتظِرَ صبرهُ ومن مكتبٍ إلى آخر ومن غرفةٍ إلى غرفة حان دَور دخول غرفة الأشِعّة وكم كان من الصّعب إقناع نايفة أنّ الأمر لا يُؤلم وما عليها إلا البقاء في سكون لعدّة دقائق ولكنّ الصّغيرة لم يكن هَمّها إلّا متى ستَرى الإبرة في يد الممرضّة لتصرخ، فلقد ذاقت ألَمها وكرهت مَرْآها، ولكنّ وجودها بين يدي أبيها منع منها البكاء والصراخ كما كان عليه الحال مع أمها أيّام التطعيم .

وأخيرًا تَمَّ أخذ صورة أشعة لنايفة وهي غير مصدّقة أنّ الأمر انتهى دون لدغةٍ بإبرة وخرجت مع أبيها من الغرفة وكأنّها تدفعهُ للإسراع بالمغادرة ومن نظرتها إلى وجهه فهم تَساؤُلها فقال لها مُطَمْئِنًا:

– "خلص… ما في إبرة"

فهدأت وكأنّها تريد أن تُطمئنه هي الأخرى أنّها بخير، فصارت تَكتمُ سُعالها من حينٍ إلى آخر، وتَوَجّها إلى المحطّة المركزيّة وفي طريقهما عرّجا على السوق وانتبهت نايفة مرّةً أخرى لروائح الأطعمة لا سيما حين وقف أبوها عند أحد الأكشاك الصّغيرة ورأت رجلاً يُخرِجُ من الزّيت الحارّ بعض الكُراتِ الصَّغيرة الحمراء تفوح منها رائحة زكيّة ثُمَّ وضعها الرّجل في رغيفٍ صغيرٍ ظَنَّتْ نايفة أنّهُ أُعِدَّ لها خصّيصًا لأنها صغيرة، وكانت هذه المرّة الأولى التي تذوق فيها طعم الفلافل، وكأنّها نسيَتْ مرضها وسُعالها لِتَهنَأ بعض الوقت من الأكلِ والنَّظرِ حولها في هذا العالم الذي رَأتْهُ لأوَّلِ مــرّة.

ودُمتُم ســـــــالِمين.

سليمان السرور


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • هل تعتقد أن الإسراف في الطعام يكثر في بلدك بشهر رمضان؟

    View Results

    Loading ... Loading ...