| | |

حتى نلتقي- السُّحب

ו- 09/03/2018 8:14
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب
يوسف أبو جعفر

يوسف أبو جعفر

تأخرت الطائرة، مطار شارل ديغول كبير الحجم  وما زلت أركض للحاق بالطائرة الأخرى المتجهة إلى الولايات المتحدة، وبين ركوب القطار وإرهاق السفر أَجِد ضالتي، ها هي بوابة  الإقلاع، النَّاس تنتظر بهدوء، الموظفون  فرنسيون إلا أنه واضح أنهم لم يولدوا في فرنسا البيضاء، فهذه ملامحها تعود لشرق آسيا، لغتها الانجليزية صعبة الفهم، تحاول محادثة امرأة روسية، إلا أن الأخرى لا تتقن الانجليزية وهكذا تنادي بصوت عال، فيروز ، ظننته امرأة فإذا به رجلاً  من أصول شرقية،  ينادي المرأة لتتقدم، فجاء دوري بالأسئلة الروتينية،  وبكل أدب سمحت لي بالمرور، هكذا وببعض التأخير أخذت مقعدي في الطائرة، يعلن قبطانها أن الرحلة قد تأخرت في الإقلاع  لتأخير قد طرأ في رحلات متابعة وإلغاء رحلة إلى شيكاغو، حاولت ابلاغ صديقي بالتأخير المتوقع إلا أنها ساعات الليل هناك، الرحلة ستكون مدتها ثمانية ساعات ونصف، من المتوقع أن تكون رحلة هادئة سوى من بعض المطبات الهوائية على المحيط، الثلج الربيعي يغطي باريس والسُّحب البيضاء حجبت رؤيتها من الأعلى، يتناثر الثلج على جنبات المدرج، وتنطلق الطائرة ، عندما تنظر من النافذة لحجم اجنحتها وصغر محركها ينتابك شعور غريب، كيف لمحرك نفاث أن يؤثر  بهذه القوة، فجأة أتذكر حديث الدكتور النباري وهو يشرح التغيير قائلاً أن الطاقة العظمى  تكون عند إنطلاق الطائرة ورفعها إلى المسار، فإذا وصلت إلى ارتفاعها المطلوب تنساب بهدوء، ولا تحتاج إلى كثير من الجهد، هكذا كان دوي المحرك عاليا والطائرة تتسلق نحو ثلاثين الف قدم ونيف، ثم تنبسط معتدلة منسابة وكأنها لا تتحرك.

الجمود هو العدو، فالحركة في المكان  تؤطر الفكر ، إلا إن فوق السُّحب ندرك بكل وضوح  صغر عالمنا، فرغم حجم الطائرة إلا إنها صغيرة في هذا المحيط من السُّحب، الشَّمس الساطعة  تخفي  ما تحت السُّحب من ثلوج وأمطار، عالم  مثالي، إلا أنه يمثل واقعنا، عندما تَحجب الغيوم الشمس فهي لا تتجاهلها إلا أنها سترا والسؤال ما الذي يحدث حقيقة، هل هذا الستر هو تجهيز للتغيير  أم لمنع التغيير؟ في حياتنا كثيرٌ من السُّحب التي تغطينا، منا من اختار السُّحب  كي يخفي واقعه فلا نعرف  شيئاً ، واخرون  السُّحب كانت لهم وسيلة للعمل بهدوء وسرعة قبل أن تأتي العواصف والرياح فتأخذ السُّحب  بعيداً فينكشف ما تحتها، وكثيرٌ لا يعرف أن السُّحب هناك، فهو لم يرفع رأسه منذ زمن بعيد وقد يأتيه الطوفان وهو لا يدري.

السُّحب ليست إلا حالة تتكرر يومياً، فلا يدرك أهميتها إلا من عاش تحت الشمس الحارقة، أو انتظر هطول المطر في أواخر موسم الجفاف، ومن الغباء ألا نرى هذه السُّحب  أو نتجاهلها، انظروا حولكم ما يحدث، سُحِب تملأ الشرق الأوسط رغم قلة أمطاره، سُحب قاتمة  مليئة بالبرق والرعد والعواصف أطاحت بالكثير من معتقداتنا بالاشخاص والدول، بكثير من القِيَّم وهو مشغولٌ في القشور، في نوع العمامة، وطول الثوب، وطول اللحية وينكر كروية الارض، عالمهُ لا يتعدى حدود  قامته ويعتقد أن الدنيا تنتظر ظهوره مع صلاح الدين جديد ليحرر بيت المقدس.

بعد قليل  ستحط الطائرة، بدأت باختراق طبقة السُّحب، رغم كثافتها إلا أنها هشة، بدأت الطائرة بالارتجاف، إلا أن ثقتنا في صانعيها ومهندسيها أوحيا للجميع أنه لا مجال للقلق، وهكذا رياح التغيير إذا كان مهندسوها ممن نثق بهم سنستمر ولن نقفز من الطائرات، أما الرجفة فهي الواقع  الذي يعترض، يرفض ، يحجم عن التغيير ولكن هيهات، بدأت الارض بالظهور والرياح الشديدة تحرك الطائرة إلا أنها استمرت في الهبوط ولَم يفزع أحد فالكل ينتظر لحظة الوصول، كان هبوطاً موفقاً لم يُعط أحد الفرصة للأعجاب بل للاسراع لتناول الحقائب والانتشار كلٌ إلى وجهته.

لا وقت للانتظار، من يتأخر لن  يدرك الطائرة أو القطار، وسيصبح أبعد عن هدفه وعن محبيه، الوقت من ذهب، السُّحب بقيت هناك في الأعلى، هناك من يعتقد أنها ستبقى، إلا أن صوت صديقي يبشرني، غداً سيكون الجو صافياً بدون سُحِب وستكون الشمس ساطعة.

وحتى نلتقي  نعم ستكون الشمس ساطعة إلا أني أعلم أن السُّحب كانت تحجز الدفء، وغداًسيكون بارداً ولا يستطيع أحد منع الغد من الحضور فالأولى أن نتجهز له بملابس دافئة  وبرنامج ملائم.

أوهايو – الولايات المتحدة الامريكية

٩/آذار /٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.