| | |

حتى نلتقي – رجل الثلج والجت لاق Jet Lag

ש- 17/03/2018 11:41
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب
يوسف أبو جعفر

يوسف أبو جعفر

بعد قليلٍ سوف نصل إلى بلدية بوسطن في إنتظارنا مجموعة من كبار الموظفين، همهم الأول هو أن تكون بوسطن قبلة للأعمال والتعليم،  يتحدثون عن عاصفة ثلجية ستضرب المنطقة يوم الثلاثاء، أعرف المنطقة ونجلس بهدوء نستمع لكبار الموظفين، كلهم  يتحدثون ثقافة واحدة، يعرفون مشاكلهم، نقاط القوى والضعف، تشعر من النشوة أنك في كوكب اخر، جولة سريعة وقد أصبح الوفد منهكاً، فقد وصلوا في الظهيرة ولَم يستريحوا، وحتى لا ينتقلوا إلى زمن بوسطن عليهم أن يناموا في نفس التوقيت البيتي، وإلا أصبح الواحد فيهم في زمن الشرق الأوسط.

البرد شديد ولكن الحياة مستمرة، الاسواق والشوارع تغض بالناس، عندما عدنا الى الفندق كان الأعياء بادياً على الوجوه وخلال دقائق خلدوا إلى النوم. خلال اليومين التاليين كان السفر حليفنا من مدينة إلى أخرى، ثم كانت المفاجأة سقوط الثلوج بهدوءٍ مما أخرج كثير منا لمشاهدة جمال الطبيعة، ولكن السفر لم يتوقف ، فمدن الولاية تنتظر أن نتعرف على ما أوقف أحياناً اقتصادها وحيناً كيف للتغيرات الديموغرافية  أن تأخذ مدينة من الأعلى إلى الأسفل، رويداً رويداً  بدأت أدرك أشياء ترسخت قناعتها عندي خلال الزيارة، أشياء قضت مضجعي، وأرسلتني أبحث في معتقدات بلى عليها الزمان ما زلنا نقدسها وهي ما يجذبنا نحو الأسفل.

وللحظة بدا لي كيف أن الفارق الزمني يسيطر علينا فلقد قررنا نحن في الشرق البقاء في زمن اخر، لا يعرف  التجديد، ويصر بكل قوة على تعظيم وتفخيم  كل الشرق، حتى ولو كان متخلفاً، حتى ولو أدركنا للحظة أننا نسير إلى الخلف أو نحو مأساة لا يهم، فنحن مشغولون بتعظيم كل شي لا ينفع، ونسينا أهم شيء في حياتنا وهو نحن. لمن تبنى المدن؟ لمن تقام المصانع؟ لمن تقام المدارس، لمن لمن؟ هكذا نتوقف عن فهم أبسط الأشياء ونتنازل بسهولة لمن يسلبنا حقوقنا، لمن يصر على أن يبقينا خلف ستار الزمن.

نحن نعاني صراحة من إختلال الزمن عند السفر، ذلك السفر نحو الثقافة الامريكية  خلف التلفزيونات، نعتقد أن أمريكيا دولة السوبرمان، ولَم نعرف أن مدناً أمريكية  تتشابه ورهط وحورة  والناصرة . أصدقائي دكتور حسين والأستاذ حسام ابو بكر، محمد ابو بدر والمحامي ياسر العمور كانت أعينهما تدور بسرعة حول ما يَرَوْن، حتى وجدنا أنفسنا نتسائل ما الذي يمنع من أن نكون نسخة من كل ما رأينا، الحقيقة مرة كما يقولون، من يمنع هنا وهناك هي نفس العقول، إذا كانت في لورنس أو ويرتشستر، أو حتى رهط وحورة ، تلك التى ترفض التغيير وينبع ذلك غالباً من خلال الأنا.

من طوّر هنا هي نفس العقلية التي تقود التطوير عندنا، إلا أنها تلهث خلف الزمن، فرؤساء المجالس والبلدات لا يخططون بعيداً والنمو لا يكون في زمن قصير، ليس سهلاً على مجتمع أجتمع على عائلية أو قبلية أن يفهم معنى الأفراد، ليس سهلاً ليس لصعوبته بل لأننا ننظر إلى المركب عندما نغرق جميعاً، ثم منا من يقول أن الموت مع الناس رحمة، هذه العقلية لم تدرك أن عليها أن تقفز من المركب للنجاة، للعيش، للاستمرار فهذه قضية البشر الأولى .

لقد وجدنا في هذه المدن فقراً وبطالة ووجدنا فيها تخطيطاً للخروج من هذا المستنقع، جاليات فقيرة من مدن العالم الثالث جاءت لكي تعيش بكرامة ما زالت تقطن أمريكيا ولا تتكلم الانكليزية. بالمقابل وجدنا إصراراً من قبل قيادات المدن على إخراج هذه الفئة والمدن من ضائقة الاقتصاد وإغلاق الفجوات  كي يعيش الجميع، كي يصبح للحياة معنىً ، هذا الإصرار مع النخبة الصادقة هو عنوان المرحلة، هو التحدي الحقيقي لنا نحن في الشرق.

الثلوج البيضاء ملأت الشوارع والأرصفة، عند تساقط الثلوج نشعر بسعادة غريبة كأننا عدنا أطفالاً فينا النقاء، المحبة والهمة والاستعداد لتحمل البرد لنلعب بها ونصنع أشكالا ما تلبث الشمس أن تذيبها دون خوف، ترحل بهدوء، رجل الثلج لا يقيم حضارة، رجل الثلج لا يصنع إلا وهماً ما يلبث أن يختفي.

وحتى نلتقي احذروا من نشاط رجل الثلج، الذي يذوب ولا يبقى له أثر،  احذروا من العيش في زمن ومكان اخر، الأمريكيون ليسوا عباقرة ولكنهم أصروا على الرحيل نحو الشمس فما كانت مركباتهم من ثلج.

بوسطن- الولايات المتحدة الامريكية

١٦/آذار /٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...