| | |

حتى نلتقي | عنزة ولو طارت

ה- 05/04/2018 14:04
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

بقلم: يوسف أبو جعفر (أبو الطيب)

يوسف ابو جعفر

أذكر أنه في أحد الصفوف الدنيا، عندما جاء معلم الصف في يده قطعة من زجاج، وأشار أليها بأسم المنشور، يومها لم يدر بخلدي أن الزجاج له مسميات غريبة، ولأن حب الاستطلاع كان رفيقنا وقفنا ننتظر ما يشرح، ولأول مرة يومها نرى ألوان قوس قزح على الحائط، أذكر جيداً الضحكات، والهمس من البعض فقد قال أحدهم الأستاذ ساحر، كيف لقطعة زجاج أن تصدر هذه الألوان الجميلة.
نقاء الزجاج لم يكن إلا سبباً في عدم التصديق، والأنكى أننا اختلفنا في مسميات الألوان وكل شروحات معلمنا حول أسباب الألوان ذهبت أدراج الرياح عند البعض، المعلم ساحر وليس هناك ألوان طيف في الزجاج، رغم رؤيتنا بشكل واضح لقوس قزح الذي بدا حينها عملاقاً في السماء إلا أن رفض الفكرة كان واضحاً وانقسم الصف إلى من يؤيد ومن يرفض ، ولكن في الامتحان الجميع كتب ما ذكره المعلم بغض النظر عن قناعاتنا.

أولئك الذين لم يؤمنوا ما زالوا بيننا قد تكون تغيرت قناعاتهم بالنسبة للمنشور الزجاجي إلا أن نمط التفكير لم يتغيير، ما زال يعيش في عالمين مختلفين، عالمه هو بقناعاته ولو طرحها كل علماء العالم، وعندما يسأل يجيب كما يريدون، من هنا ندرك كيف تحول الشخص إلى أشخاص كثيرة، إلى كل شيء وإلى لا شيء، يعرف الديمقراطية ويتحدث عنها ولكنه لا يقتنع بها، يُؤْمِن بالعدل والانصاف ولا يطبقهما، هكذا وبسهولة نستطيع فهم كثير من الظواهر حولنا، عالم ما أريد، وعالم ما علىَّ أن أجيب أو أتصرف.

عندما ندرك ذلك نفهم كثير مما نراه من تصرفات ومناكفات واختلافات، خصوصاً وأن عالمنا تحول من عالم حقيقي إلى عالم إفتراضي لا نرى إلا لوحة مفاتيح الهاتف، فلا يهم الحقائق، ما يهم للمرة الأولى أنها قطعة زجاجية نقية وليست منشوراً للألوان، والكل سحرة ولن نقتنع بك ، وسوف نلاحقك بأنها قطعة زجاج وكأن المثل العربي عنزة ولو طارت هو ما نعيش فيه واقعاً، وما كان من العلم والفهم يختفي، وسوف نكرس كل جهدنا أن ما تقدمه هو قطعة زجاج، وسيغرد المغردون الذين كانوا في الصف إنها زجاجة، وقد يزداد عدد السحيجة ولا حياة لمن تنادي.

أنا لاأملك الإجابات ولكني أملك الفرصة لأسأل الأسئلة الصحيحة أو هكذا على الأقل أحاول، ألا ترون أن الموضوع أكبر من الزجاجة وأنتقل إلى كل جوانب الحياة، فهناك من يعتقد أنه الحارس الألهي ويستطيع أن يدلي بدلوه في كل الجوانب، ولا يرى إعوجاج رقبته، وتزداد حدة الحالة كلما اقتربنا من القناعات الشخصية له أو على حدود الخلاف في الرؤية.

وفِي زمن الفيسبوك أصبح من السهولة أن يكتب البعض ما يريد وكيفما يريد، وليس من حسيب، في زمن غاب فيه رؤية إعوجاج الرقبة، يعتقد أصحاب الزجاجة أن الألوان ليست هنا وهي مقصورة على الأبيض والأسود، وبياضهما أو سوادهما يعود إلى قربهما من رؤيته وفكره، لا يتخيل الواحد فينا إمكانية الخطأ أبداً.

أصبحت الذاكرة ليست قصيرة المدى بل قصيرة وقصيرة جداً ، والمتغيرات كثيرة وما هو صحيح بالأمس لم يعد كذلك وخطأ الأمس أصبح صواب اليوم، ولأن العقول كبرت وتربت على عنزة ولو طارت فهي لا تستوعب ما يحدث حولها، فصديق الأمس عدو اليوم، والبطل السابق أصبح جباناً أو خائناً .
وهكذا ما زلنا ندور في فلك نحب ألا يتغيير أبداً، حتى صوَّرنا لحياتنا ما هو فقط من وجهة نظر مثالية جداً فلم تعد تقترب من فهم الواقع وعند حدوث المتغيرات نصتدم بالواقع المر، وأكبر مثال على ذلك فتوى تحريم قيادة النساء للسيارات في بعض دول الخليج، وكيف تعامل الناس مع التغيير في مواقع مختلفة.

عقلية عنزة ولو طارت، وفقط أنا أملك الحقيقة ، هذه العقلية شعبوية في الدرجة الأولى، وليس هدفها ألإصلاح ولذلك علينا أن نتعلم التعامل معها لأنها لا تختفي، بل فيها كثير من الخفاء، فقد تكون مغطاة بغطاء ايديولوجي، حزبي ، سياسي ، إجتماعي، وغالباً مصالح لا تلتقي.
هذه العقلية هي التي أخرت طرح أفكار جديدة، وقدرات كانت مغيبة، لسيطرتها الشعبوية على المجموعة الكبيرة التي ما زالت ترى في المعلم ساحر.

وحتى نلتقي العنزة لن تطير وعندما يكتشف صاحبنا أن المعلم لم يكن ساحراً لن يستسلم بل سيحارب بقوة أكثر لأنه أكتشف الحقيقة التي كانت حاضرة غائبة، لا تهتموا كثيراً بهذه النوعية لأنها لن تختفي، ولكن بالتأكيد صوتها سينخفض ولا بأس من أن نَصُمَّ أذاننا للحظة ونستمر.

رهط ٤/نيسان/٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...