| | |

حتى نلتقي-غراب البين

ו- 13/04/2018 10:44
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب
يوسف أبو جعفر

يوسف أبو جعفر

الأصوات النشاز يعرفها عادة أصحاب الاذان المرهفة القادرة على التمييز في المراحل الأخيرة  من التدريب، أما في بداية المشوار فكل نساء الحي ورجالاته يعرفون أصحاب الأصوات الجميلة ولكنهم لا يستطيعون تحديد تلك الراقية من بينها، ولذلك  يسهل علينا أن نحدد جمال الصوت بين الأصوات الجميلة وتلك التي نشازها ظاهر.

وهكذا في معترك الحياة منا من يفقد قدرته على الغناء أو يتوقف وقد أدرك  موقعه وآخرون لا يستسلمون فنتعود ظاهرة الاستماع ونفقد خاصية الإنصات، وقد نصفق حينا حياءً حتى لا نحرج أمام الجميع.

كل شيء كان طبيعياً حتى أصبح لأصوات النشاز عرَّاب ، هو الذي يحصل على النسبة العالية من الربح، هو الذي يحدد وقت الظهور على المسرح ومدى فعالية الجمهور حول صوت النشاز، والمصيبة أن أصوات النشاز تلك أصبحت هي المطلوبة، ربما لجمال صاحبها وسهولة تسويقه أو لحاجتنا إليه كي يخدم الأصوات القوية التي لا تظهر تحت الكاميرات إلا نادراً.

بين هذا وذاك أصبحنا نقبل من باب مبدأ إختلاف الأذواق  باصوات النشاز  ونعطيها حيزاً في حياتنا، فتطورت هذه وتراجع النقاء  وسيطر النشاز علينا وأصبح الخجل رفيقنا.

ليس هذا درساً في الموسيقى ولكنه درس في كل مواقع الحياة، عندما يصبح عرّابو النشاز هم أصحاب القرار فلا تنتظر  أن يسمح للبلابل بالشدو، ولا لطيور الكناري بالزقزقة ولا لرف طيور الحسون من الوقوف على الشجرة في الحديقة، ستقلع الأشجار وتطلق النيران على أسراب الطيور فلا تعود للاقتراب  ليبقى صوت الغراب مسيطراً ويستمع إليه غبيٌ بشغف ليجادل بأمر العرّاب أن صوت الغراب أنقى الأصوات على الإطلاق .

ما اكثر الغربان، في كل مكان، أذكر في طفولتي أنها كانت معدومة أو لا تظهر، لقد عادت اليوم وعاد عرّابوها يتقدمهم كبيرهم  وويل للبلابل والكناري، تهدم أعشاشها ويقتل صغارها لترحل، والأنكى أن بقية الطيور قد تصفق.

ما أكثر  الغربان استعارة وحقيقة، يرافقها تلك الصقور التي تعودت أكل الجيف فلم تعد إلى الصيد والحريّة أصبحت سمينة لا تقوى على الطيران .

ومن حُرم رؤية طائر الحسون، والسنونو، ولَم يستمع لهما فلا نستغرب أن يعتبر الغراب جميلاً، وآكل الجيف سيداً، هكذا بدأت الطيور بالهجرة للنجاة، والغراب قد يصبح سيد القوم بمعيّة الصقر الذي بدأ يصدق أنه نسر، معللاً ذلك أن كليهما من الجوارح وأنهما يأكلان الجيف.

الغراب معروف بقباحة منظره، ولكن صوته نشاز، الغراب معروف بذكائه ولكنه يجمع بقايا المعادن اللامعة في محيطه ويضعها في مخبئه وقلما نجد في هذا المخبأ حجراً كريماً لامعاً ولكننا نجد الكثير من حجارة الصوان.

في حديقة الطيور يعتبر الغراب حكيماً شريطة ألا يصبح مغنياً، فإذا قرر أن يصبح مطرباً تهرب كل الطيور لأن ذلك نذير شؤم.

قد يستغرب البعض ولكن غربان هذا الزمن الآدمية أصبحت كثيرة وفِي مواقع كثيرة تحكم وترسم وتخطط، لكنها قررت منذ القريب الغناء وليس بين الغربان  فقط بل قررت الصعود إلى الشجرة ونادت على الطيور  لتعلن لها أنها اعتزلت الحكمة وقررت أن تدخل عالم الترفيه وخصوصاً بعد اكتشافها والصقر أصواتها الجميلة.

كانت أمي وما زالت تصف الغراب  بغراب البين، والبدو عامة يستعملون مصطلح غراب البين على كل الحماقات التي يرتكبها أي من أفراد المجتمع ، غراب البين عليك، أي إنتظر شراً لأن ما أقدمت عليه هو فعل غراب أحمق وليس ذكي.

وهكذا ازدادت غربان البين اليوم في مجتمعاتنا وبدأت تعتقد أنها قادرة على الشدو والتغريد، ولها عرّابون من أبناء جلدتنا همهم الأول هو أن يبقى الغراب في المقدمة، انظروا حولكم وتفحصوا الوجوه بروية أين البلابل وأين الغربان، أين الصقور، أين النسور، أين الحمائم ، أين أنتم ، أترمون الجيف للصقور ثم تستغربون تكاثرها! أتقتلون أجمل الطيور صوتاً ثم تقفون عند الغربان تصفقون وتعلنون من أعلى المنصة أن أجمل الأصوات هو صوت الغراب!

وحتى نلتقي، من يتخذ الغربان مثالاً وقدوة في حياته فلا ينتظر أن يستمع إلى  أجمل الأصوات، فهي تنعق بالخراب، ولو جاء كل خبراء العالم لن يجعلوا من الغراب مطرباً إلا إذا  قررنا أن نصم أذاننا ونحرك روؤسنا كالأغبياء لنوهم أنفسنا بالطرب.

احذروا غراب البين في هذه الأيام وابحثوا بقوة عن نقاء الصوت،  فالبلابل لم ترحل وطيور السنونو ستعود، كل ما تحتاجونه هو أن تقرروا أين تجلسون.

غراب البين سيرحل خوفاً عندما نتوقف عن إطعام الجيف للصقور، فغراب البين وصقر الجيف مكانهما معروف وليس على منصات الحضور .

الجمعة ١٣/نيسان/٢٠١٨ رهط


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...