| | |

حتى نلتقي – المفتاح

ש- 21/04/2018 8:09
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب
يوسف أبو جعفر

يوسف أبو جعفر

أنا لم أرتكب جرماً، كل ما فعلت أني أدركت أن الوقوف لن يغير شيء، لذلك تحركت من مكاني، لقد كانت أوامرك أن أبقى، أقصى الأمر أن أهرب لا أن أعود ، لقد وعدتني أنك ستحميني ستمدني بعزم لن تتركني وحيداً، ولكنك اختفيت عند المساء، وعندما بدأت بالبحث عنك أكتشفت أنهم أغلقوا الطريق، هدموا الجدار واخترقوا السور ثم أقاموا ساتراً ترابياً، وبقيت أنتظر وأتحين اللحظة، بحثت عنك في الأودية في الهضاب، خلف حدود الضباب لم أجدك، تركتني وحيداً، وحين ألقيت رأسي على كومة التراب، بكيت كما لم أبك يوماً، لم يكن معي شيء أبداً سوى من تلك التي حملتها في جيبي، أتعرف الحقيقة! لم أعلم أنها مصنوعة من حديد، فعند البرد القارس ليلاً كنت أنظر إليها ويسري في جسدي دفء غريب، يُنسيني الألم وحرقة الإنتظار، يأخذني إلى التلال وبيادر القمح ورائحة الياسمين وهدير البحر، أتذكر البحر ؟ ذلك الذي يهرب مني وأهرب منه، رسمت أحلامي على شاطئه وكان يمحوها، يُصر وكنت أكثر اصراراً، عاتبني مرةً لأني رسمت أحلامي بعيداً عن موجه، لكن لم يهمني فقد كنت أرسم في الهواء، البحر رغم خوفي منه كان يحبني، يناديني، أكثر ما يخيفني منه كان تلك الوجوه التي جاءت في مراكبه، يتحدثون بلغات لا نعرفها، ينظرون إلينا بجشع يهربون من نظرات عيوننا، يخفون سراً، لقد كانوا أصدقاء  الغرباء والأغنياء.

آه يا سيدي، الليل حالك الظلام ما عدت أقدر على الانتظار، لقد أوشكت على الهلاك ، وفِي كل مرة أسمع صوتاً أظنه أنت، ألم تقل لي أنك أخي ورفيقي، متى يترك الرفيق رفيقه والأخ أخيه لماذا لا تعود، لقد مزقت الريح الخيمة ليلة الأمس، ولكني كنت أسمع صوتك من بعيد، كان صوتك يأتي من مذياع أحدهم، كان صوتك أقوى من هدير البحر.

الغرباء كذبوا علينا يا سيدي، قالوا أنهم يحبون برتقال يافا، ولكنهم كانوا يحلمون بيافا، لم يتركوا مكاناً إلا وأعطوه لهم لاولئك، ما عدت أفرق بين الغرباء وأولئك، هؤلاء قدموا منذ زمن  ليس ببعيد أكثرهم بعد الغرباء.

أمس سمعت صوت الكنيسة، أجراسها، كانت حزينة، ما عادت كالماضي، كان صوتها نقياً بدأ الصدأ يعلو جنبات جرسها الكبير، كيف أعرف؟ أنت لم تسكن يافا ولا حيفا ولا حتى اللد والرملة، لقد عانقت الكنيسة المسجد، أتسأل لماذا لم أسمع صوت الآذان؟ عجباً لك ألا تعرف! صوت الآذان يحتاج إلى كهرباء، أما الجرس فلا، أنت تستمع   لصوت الاذان عبر الإذاعة  أليس كذلك!  منذ زمن  وعدتني أنك ستأتي ولم تفعل.

أنا أفكر جدياً في العودة، ولكني أرى في عيون رجالاتك خوفاً ورهبة لا أدري أهي مني أم عليَّ ؟ قبل أيام وجدوا جثة خلف الساتر، لقد دفنوها بسرعة  همسوا أنك منعته من العودة، فأطلق جنودك عليه النار، البرد شديد، قطعة الحديد هذه هي مدفأتي، لا تتركني أبداً، وأقسمت أن لا اتركها، بها سأدخل من جديد، أنها المفتاح، أنها الأمل، أنا لن أسمح لهم بأطلاق النار علي من الأمام بل سيكون رصاص جنودك في ظهري وجنود أولئك  في صدري.

سأعود مثل الطيور المهاجرة،  نعم كيف يسمح للطيور المهاجرة العودة ونحن هنا؟ أعرف، ليست مقولتي، أنها لرشيد، ولكنها فعلاً ألمي الحقيقي، هي تعانق السماء ترحل إلى يافا وبئر السبع، وحيفا وصفد، تعشش فوق صنوبرها، وتطير فوق سهولها، لن أترك حلمي.

ما عاد يخيفني صوتك، وما عاد يهمني تهديدك، لا أشعر بالخوف منك، أعرف أن صوتي يرعبك، وأنت الذي تخاف منذ أن عرفت أني سأعود، صدقني قبل قليل سمعت صوتاً يناديني أين أنت ؟ بحثت عن الصوت  فلم أجده تتبعته فإذا هو تحتي، تراب الأرض وشجر التين والزيتون وصبّار الحقل يناديني لأعود إليه ، وأنت تناديني عبر مذياعك ارجع، نعم سأرجع ولكن إلى بلادي، سأحمل مفتاحي ذلك الذي يبعث الدفء في قلبي، سأفتح الباب الذي أوصد، لن يمنعني أحد.

سنلتقي هناك في الأفق حيث البحر والزهر حتما سأعود، وإن فارقتني روحي  فسوف تدخل قبلي إلى هناك.

حوره ٢٠/نيسان/٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • من ستنتخب لرئاسة بلدية رهط؟

    View Results

    Loading ... Loading ...