حتى نلتقي- لونيا وانطون حتى نلتقي- لونيا وانطون حتى نلتقي- لونيا وانطون - هانت
| | |

حتى نلتقي- لونيا وانطون

ש- 05/05/2018 8:08
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب

يوسف أبو جعفر

عندما تسافر تدرك أنك تستطيع ليس فقط السفر الفعلي بل السفر خلال الزمن، لأن ذلك يعطيك الفرصة لترى نفسك وترى غيرك، والسفر يبعث في النفوس أملاً وحزناً، أملاً حين تلتقي بوجوهٍ جديدة همها الأول الأمل وأخرى همها الأخير الأمل

ألتقيته في بيته هنا للمرة الأولى منذ عشرين عاماً ونيف، كان يرى الدنيا نشاطا، حينها قد جاوز الستين عاماً، رئيس قسم علم حضارات الانسان في جامعة أمستردام، شغوفاً بالكتب والعلم، بيته المتواضع يمتلئ بالكتب، يخرج صباحاً لركوب الدراجة ما أن يجلس يحب الاستماع وكتابة التفاصيل الغربية من وجهة نظره، لا يعرف الملل ولا الكلل، لم يكن هو سبب زيارتي، بل كانت زوجته تلك التي نعرفها منذ بداية الثمانينات، كانت قد حضرت إلينا  لتبدأ بكتابة رسالة دكتوراة حول تغير نمط الحياة لدى البدو في النقب، لا تجيد العربية ولا العبرية ، لكنها كانت على استعداد للتعلم، لم يمض زمن طويل حتى استطاعت حينها أن تجري بعض المحادثات البسيطة باللغة العربية، يومها كان تعداد سكان رهط خمسة آلاف شخص، وخلال الأعوام الخمسة تلك اتقنت العربية باللهجة البدوية حديثاً، وأصبحت رفيقة أمي في زياراتها إلى الجارات تتعلم منهن والرجال تناقشهم في مفاهيم تبدو لها غريبة ولنا عادية.

مرت قرابة أربعة عقود من الزمن، ولَم تعد هي تلك الطالبة الجامعية ، أصبحت أسماً لامعاً في مجالها وبروفيسور في جامعات عريقة في أوروبا، أخرها جامعة اوترخت.

بروفيسور انطون بلوك جاوز منتصف الثمانينات ما زال نشيطاً إلا من صعوبة التنقل، ما عاد يستطيع السفر كالماضي، يفضّل القراءة والكتابة على السفر، ما زال نتاجه الفكري يُدرس، ما زال يكتب، أخر كتبه سوف يكون جاهزاً بعد صيف.

بروفيسور لونيا،  اليوم الجمعة سوف تنهي عملها في جامعة أوترخت فقد وصلت إلى سن التقاعد، ما زال لديها الكثير والمثير من البرامج أهمها الكتابة، ما زالا يجلسان ويناقشانّي في تفاصيل صغيرة وكبيرة في داخل مجتمعاتنا الشرقية فهي بالذات زارت أغلب المجتمعات الشرقية التي تمر في حالات تَمَدن، من أفغانستان حتى افريقيا.

ولأول مرة ألتقي بعض الأسماء التي سمعت عنها خلال معرفتي لهما، أسماء معروفة في مجالها العلمي، جاءوا من أوروبا وأخرين من الولايات المتحدة للوقوف في هذه اللحظة الجميلة، بداية مرحلة جديدة من العمر، التقاعد عن العمل وليس التقاعد عن الإنتاج.

يخططون للغد بأمل لا يتوقفون للحظة عند أسئلة معقدة، إلا ما نَدُر، وأهمها السعادة. يدرك الجميع أن السعادة الحقيقية هي في القرب من نحب، الأبناء والأهل، لديهم تخوف كبير من نهاية العمر عندما لا يكون حولك من تحب، يريدون في هذا الزمن أن نحمل سعادتنا على أن تكون هي الأولى دائماً .

أكثر ما يعجبني هو أن ترى نفسك بعيون غيرك، عندما نظرت إلى الأعوام التي مضت ازداد شعوري  بالتفاؤل والغبطة، رغم المحن التي يمر بها شعبنا ومجتمعنا، هناك الأمل، ما عدنا صغاراً وما عادت الأمور معقدة، بل تحولت إلى سهلة ومُرَكّبة، سهلة بمعنى  القدرة على الوصول إلى الأهداف أما المركبة فلأننا نريد أن يقف الزمن عند مفاهيمنا، نرفض التغيّرالإيجابي،  كيف لنا أن نتصرف بمفهوم الماضي ونحن في المستقبل، كيف لنا أن نجبر الحاضر بقوانين الماضي، كيف كثيرة تُسأل وتنتظر زمن الشجعان، زمن القرار الصعب الذي إن لم نتخذه  سيوقف العجلة وسيرحل الزمن ونبقى ننتظرالقطارالقادم دون محطة.

أن الذين يقودون دون أمل أنما يسيرون نحو المجهول حتى ولو ساروا في الطرق المعروفة، أما الذين يقودون بأمل فَلَو ساروا في الطرق المجهولة لوصلوا إلى بر الأمان، وهكذا نحن علينا أن نحذر من الذهاب في المعروف للمجهول، ولا نخشى للحظة أن نرحل نحو الأمل، ليس من حق أحد أن يحرمنا من الأمل.

رغم جمال أوروبا الفتان إلا أن لدينا جمالاً أخر أنه نحن، فينا القدرة أن نتخطى المحن، أن الغد يقف على بابنا ينتظر الدخول، نكتب على الصخر وليس على الرمل فحريٌ بِنَا أن نكتب قصائد الحب بدل قصائد الكراهية، واشعار التسامح لا اشعار العنف، والرحيل  نحو الأمل.

وحتى نلتقي، ما زالت أنظر إلى كتابات انطون بلوك تملأ الغرفة، وإلى ما تكتبه لونيا وما سيكتبان وهما يتركان للعالم إرثاً علمياً وثقافياً، واسأل نفسي ماذا سنترك إرثاً لمن خلفنا، أليس من حقهم أن نترك لهم الأمل.

أمستردام ٤/أيار/٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • هل تعتقد أن الإسراف في الطعام يكثر في بلدك بشهر رمضان؟

    View Results

    Loading ... Loading ...