| | |

حتى نلتقي -العراقي

ש- 12/05/2018 8:15
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

يوسف ابو جعفر

المطر يتساقط، الجو جميل، اقتربت الشمس من المغيب، أحب المطر أشعر أنه لا يطهر الجسد فقط بل يبعث في النفس طفولةً قد خبأها الزمن تخرج دون خوف، عندما كنّا نركض تحت المطر نلعب شوقاً. الكل يركض للباص حتى لا يبتل، وأنا مثلهم، يتوقف الباص الكل يبحث عن محطته التالية، وأنا أبحث عن تلك الإشارة للمسجد، ها هُو إنه أقرب لمصلى بل زاوية للصلاة، ينظر الجميع إليّ، هل قدري أن أرفع الاذان في اسطنبول وهكذا كان، أبحث عن طائرتي ستقلع بعد ساعة ونصف، هناك مقعد أجلس بجوار الرجل، ينظر إليّ يحدثني بالانكليزيّة ، ثم تحول إلى العربية، عراقي أنا عراقي، هكذا قال هكذا بدت اللهجة الجميلة، هكذا سمعت في صوته حزن وألم، لدي ست ساعات أخرى للانتظار، تفضل – صفيحة باللحم والجبن – تمتمت بكلمات واستحياء، مشكور، مو أنت فلسطيني تماني واربعين ؟ -بلهجة عراقية بغدادية- نعم، ليس سهلاً أن يتعرف علينا أحد  هكذا، لا آني عرفتج منو تكلم البنت الزغيره بلغه غريبه، لقد كانت الطفلة إبنة لمحاضرة في جامعة إمستردام شاء القدر أن تكون في نفس الرحلة، هولندية الأصل ولكن والديها يسكنون  ضواحي تل ابيب ، أعرفها منذ زمن، لديها أبحاث عن الصم لدى بعض القبائل البدوية وتحمل همومنا أكثر بكثير من بعضنا.

نعم ولكن عادة يستصعب العرب معرفتنا وأحياناً ينكروننا، ايه بس آني مديري في بلجيكا في قسم الصحة من عندكو، من الناصرة ، رجال والله رجال، آني عرفتكو منو، والله انتو رجال.

نحنا العراقيين دايماً نقول إنّو ولا شي ، شلون يصير فينا ولا حاجه نحنا بعدنا في وطنا ما تهجرنا، نموت فيه نعيش فيه ، ماكو شي ابداً، لعاد شلون نسوي لو يصير فينا متل الشعب الفلسطيني. كانت كلماته باللهجة العراقية تنساب بين شفتيه كموسيقى نصير شمه العراقي، تنادي التاريخ تستحضره حاضراً وغائباً، بين الكلمات كانت قدمه تهتز تدل على قلق ظاهر في الانتظار، بعد قليل ستقلع طائرتي والمطارات لها صخب وضجيج ، ففي كل لحظة يُنادى على مسافر متاخر أو على أعلان لرحلة مقلعة وهكذا دواليك، يعيد الجمل ليؤكد لي سماعها عند الضجيج، لا عليك يا صديقي العراق ليس بعيداً عن حالنا وسورياً أسواء حالاً والخليج أضاع البوصلة ونحن في زمن الحليم حيران أجبته بهدوء، فبعد قليل سنفترق ولا ادري ماذا أقول وبين كلمات المجاملة والحديث حول من أين وإلى أين قال مودعاً، أنتم الأمل، أنتم المرابطون ، فما كان يعرف من بلادنا إلا الناصرة وحيفا، وحين حدثته عنا كان سعيداً، لم أَجِد معي إلا سجادة صلاة قلت له مازحاً لو أنها مصنوعة في الصين إلا أني لا أملك غيرها لأهديك،  والله أغلى هدية ، دعوت له وودعته  وأنا في طريقي لبوابة الطائرة لا أعرف أسمه ولَم أساله، كل ما عرفته أنه لديه أمل فينا.

موسم الرحلات إلى اسطنبول جعل رحلة العودة مليئة بالضجيج، تكاد تخلو الطائرة من غير العرب، بسهولة يستطيع الناظر أن يرى أن الأقلية في الطائرة  هم ليسوا عرباً، المضيفة تطلب من الركاب أن تكون المقاعد في وضع الإقلاع، ضحكات الاستهتار تعلو ، كنك ما اكلتيش حلقومه،  وبصعوبة أجلست المضيفة الركاب، يضع قدميه على أعلى الكرسي، تشرح له المضيفة أن موقعه يحتم عليه أن يتعامل في حالة الطوارئ مع البوابه بجانبه، ضحكات الاستهتار تستمر، ارّي افتح الباب  ، يمد أحدهم الى البوابة فيسقط الغطاء الأول لحماية الباب من عبث العابثين، يحاول جاهداً إرجاعها ، يستمر الضجيج والصراخ للحظة شعرت أننا في سوق وليس في طائرة، فجأة تكتشف أجهزة الطائرة أحدهم قد حاول التدخين في مراحيض الطائرة، يا للعار يحاول المتهم شرح موقفه أنه لم يدخن والاخرون يستهترون ويضحكون، الشيخ صاحب العمامة يقف اظنه يعطي موعظة ، صوته المرتفع ولهجته توحي أنه من الداخل، الكل يتحرك وبضجيج يفتحون الحقائب ما ان تلفت المضيفة حتى يعيدوا طلبها دون فهم للغة أو أدب.

وللحظة تنظر إليّ تلك المحاضرة الهولندية قائلة ، مضيفي شركات الطيران لا يحبون الطيران إلى تل ابيب لسوء أخلاق المسافرين، وما أشاهده في السنوات الأخيرة هو أن تصرفات  وأخلاقيات العرب والفلسطينين أصبحت  سيئة كمثل بقية الاسرائليين، وأنا انظر وأشاهد وأسمع وأعي، ماذا يجري لكم؟

اقتربت الطائرة للهبوط والعرب مشغولة بالحلقومة، ومع اهتزاز الطائرة تزداد الضحكات على من يخاف الاهتزازات ، ما أن لامست إطاراتها الارض حتى بدأت المجموعة بحل أحزمة الأمان وقبل أن تتوقف كلياً كان واقفاً يحمل الحقائب.

تذكرت العراقي وهو يرى فينا الأمل، التفت إلى أحدهم قائلاً، من وين الشباب فأجابني بصدق أنه من …….. قلت لا أصدق، فقال ليش زعلان، قلت لا بس كيف كانت تصرفاتكم …  لم تعجبك ليش شو عملنا؟

وحتى نلتقي، حملت حقيبتي  بهدوء وصوت العراقي يقول ماكو شي ماكو شي أنتم الأمل.

رهط ١١/ أيار /٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • ما هي الزاوية الأكثر شعبية لديك في موقع هانت؟

    View Results

    Loading ... Loading ...