حتى نلتقي- سياسة العيون حتى نلتقي- سياسة العيون حتى نلتقي- سياسة العيون حتى نلتقي- سياسة العيون - هانت
| | |

حتى نلتقي- سياسة العيون

ש- 09/06/2018 8:13
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

يوسف ابو جعفر

بدايات الصيف في بلادي تأتي عادة قبل موعدها، فيهرب الربيع خوفاً، يلاصق بشدة الشتاء، ولأن الصيف يبدأ بإرسال جنود الحر أولاً،  فلا عجب أن نعومة الربيع تختبئ بين زهور شقائق النعمان والأقحوان ، ويصبح الصيف سيداً على مدار ثمانية شهور، فيها يبعث بجنود الحر، وفرسان الغبار لترتفع أحياناً اعاصيراً  رمليةً تلتف بعد ساعات العصر في سهول جنوبنا، فيتخيل للمشاهد لأول مرة أنه أمام  تورنيدو مصغر، لم يعد الأطفال يركضون خلفه، ولَم تعد تهتم به الأمهات، فقديماً كن أمهاتنا ينادين عليه ببساطة " حَوّد يا مبارك" أي لطفاً ابتعد خوفاً من أن يُطَيِّرَ حاجيات البيت القليلة فيركض الجميع لجمعها من مسافات، وأكثر ما كانت تخشاه الأمهات على أبنائها هو الرمل الذي يملأ العيون.

ليس أجمل من العيون، لأنها جميلة حقاً، ألوانها تتفاوت، هناك من يعشق العيون السوداء، الصفراء، وذات اللون الأخضر الفاتح ، والعيون العسلية، كلها جميلة، ولقد كانت وما زالت العيون هي العنوان، فقد كانت الجزء الوحيد الظاهر، الساتر، الفاضح، حتى عندما أراد ذلك البدوي (الشاعر علي بن الجهم) إلقاء قصيدة أمام الخليفة العباسي المتوكل  بعد أن قضى زمناً يسيراً في بغداد قال قصيدته المشهورة التي مطلعها:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري.

ولذلك نحب أن تبقى عيوننا صافية خالية من الأمراض ويبقى الناس ينظرون إلى ألوانها الجميلة يحاولون قراءة شخصياتنا وأفكارنا من خلال ألوان عيوننا.

إلا أن هناك أنواع من الحالات يصبح الهروب من العيون سياسة، أو قل واقع غريب، أن يحدث العكس، حين تهرب العيون منا، أو تحاول ألّا تتلاقى، كي تُبقي اسراراً طَي الكتمان، تحاول أن تبني جداراً يمنع الأخرى من قراءة هذه، تلك هي العيون المبلولة.

أصوات الناس بدأت ترتفع، يتزاحمون  تتصادم أكتافهم، لا يتركون فرصة للانتظار، عيونهم تهرب من مكان إلى الأخر، أيديهم تتحسس الأقمشة وتسرع إلى موقع جديد، تتبادل النقود بحذر، وبين هذا وذاك هناك عيون تهرب  من الأقمشة وتهرب من عيون النَّاس التي تلاحقهم، وأكثر ما يقلقهم ألا تتلاقى عيونهم بعيون أولئك الذين لا يستطيعون رفض طلباتهم، لئلا تتساقط الدموع خفية أو تنهمر علناً، وأكثر ما تكون عيونهم مبتلة بالدموع، وعندما يسألهم الناس عن سر عيونهم التي تبدو تدمع دائما  كانوا يجيبون أنه مرض محمود، فهو يجلى العيون من الأتربة.

هذه العيون تهرب منا وأصبحنا نحن نهرب منها، لأن أصحابها بشر عاديون، ألوان عيونهم جميلة جداً ولكنها تبقى مليئة بالدموع، دموع الحزن والحاجة، دموع  القهر والألم ، دموع  بكاء أم يوم يطالبها الصغير بلباس جديد للعيد، أو يطالب الأب الأبن بكتاب، أو هدية …….

هذه العيون ترفض الوقوف مطالبة، ولذلك نراها تهرب منا، المصيبة أننا أقنعنا أنفسنا أن عيونهم المبلولة هي فعلاً مرض، لكي تبقى عيوننا سليمة تغطيها نظارات الماركات العالمية – حتى ولو صنعت في الصين – نتفاخر بها أمام تلك العيون الباكية سراً، دون صوت إلا من أصوات مخنوقة أو أنةٍ وتنهيدة ورجاء، لا عجب أن موسم النظارات الشمسية يزداد في الأعياد وفِي الصيف، فأصحاب العيون المبلولة يلبسون نظارات لكي لا يرى الناس عيونهم الباكية المحتاجة  وأصحاب المال والسلطان يضعون نظارات ڤريساتشي وريبان وبولو حتى لا ترى ألم وحزن وعوز الآخرين.

آهٍ كم نحن بحاجة لأن نرفع النظارات عن عيون الناس لنعود نرى احوالهم، لا لنشعرهم بالحزن، بل بأدب نعينهم على الفرح، نفتح  لهم أبواباً من الحب، من مد يد العون حتى لا يعود العوز عنواناً لعيونهم، حتى يعود الخير عنواناً فترى في العيون الفرح، أقل الأمر أن نقدم لهم ليس مسحة دمعة، بل نعينهم ألا تسقط  دمعة الحزن والحاجة ، ونترك لدموع الفرح مكاناً أكبر.

وحتى نلتقي، ارفعوا النظارات عن عيون الناس، انظروا ليس في جمال عيونهم ، انظروا لعلامات الحزن، إلى العيون المبتلة، حولوها إلى فرح، تحولوا إلى ساسة عيون، لا إلى أطباء عيون، فالساسة ليسوا بحاجة للذهاب إلى كليات الطب، بل إلى قلوب الناس لأن القلب هو المفتاح.

كونوا ساسة عيون بالحب، كونوا سياسيين بالعطاء، قدموا للعيون حقوقها، واعلموا أنما تقدمونه لها يزيد  من جمال عيونكم فتصبح أجمل العيون.

رهط  ٨-حزيران_٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • هل تعتقد أن الإسراف في الطعام يكثر في بلدك بشهر رمضان؟

    View Results

    Loading ... Loading ...