حتى نلتقي- ببغاء اللوري حتى نلتقي- ببغاء اللوري حتى نلتقي- ببغاء اللوري حتى نلتقي- ببغاء اللوري - هانت
| | |

حتى نلتقي- ببغاء اللوري

ש- 04/08/2018 8:11
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

يوسف أبو جعفر

لا اذكر متى جاء إلى بيتنا، أكاد اجزم أنها فوق الثلاث سنوات، عندما وجدته في البيت يومها أدهشني جماله، فنادراً ما شاهدت طائراً بهذا اللون الأحمر الجميل وهذا الحجم، في طفولتنا أكثر ما كنّا نقتنيه هو الدجاج البلدي، وهذه لا تدخل البيوت إلا مطبوخة، أو خلال مطاردةٍ للإمساك بها لتصبح مطبوخة، هذا اللون الأحمر والمنقاره الأصفر  أضفيا جمالاً وهيبة للطائر، ويبدو أنه بدأ بالصراخ عندما اقتربت منه، فبدى صوته مخالفاً  لمنظره، فالصوت صراخ مبهم، فيما بعد اخبروني أنه خائف ومرعوب لانتقاله لبيته الجديد عندنا، عندما حاولت أن أفهم سر صراخه تبين لي أنها جميعاً أصوات يقلدها، اجتمعت عنده يطلقها عندما يقترب منه أحد.

كان صوته أشبه باللغط منه للكلمات ولكن عند الاصغاء جيداً ادركت جمل بسيطة تعلمها أو أصوات يقلدها، حاولت بين الفينة والأخرى في لحظات اقترابي منه أن أعلمه بعض الكلمات، ولقصر الوقت الذي نقضيه معاً كان من المستحيل أن ينطق بها.

ولكن مع مرور الوقت بدأ يتغير حتى أخذ توقيت حياتنا ينام ويصحو على ضجيج البيت، تعودت عليه كل صلاة فجر أن ينادي معلناً أنه هنا، وعندما امر بجانبه يبدأ بهمهمة وتمتمة ويصفق بجناحيه، وقد اجد نفسي مرغما أحيانا على إطعامه خصوصاً عندما يُشغل الأبناء عنه بيومهم.

هذه العلاقة المميزة استمرت وأصبح فيها من الألفة ما يميزها، اعتاد الجميع عليه، ووجدت نفسي كثيراً أراقب رقصاته وهو يعيش في قفصٍ من الحجم المتوسط إلا أنه يبقى قفصاً حابساً لحريته.

قبل بضعة أشهر بعبث عابث خرج من القفص وانتقل إلى سقف البيت، يومها أدركنا جميعاً أن هذا الطائر سيبتعد ويغادر إلا إن نداء ابني أعاده بهدوء إلى كتفه ثم إلى القفص، بدى سعيدا في القفص، يتراقص أنه عاد إلى ما يعرفه، رغم سجنه أو هكذا خُيل لي أن المفروض أن يهرب، أن يحلق فالحرية أقوى من كل شيء إلاأنه عاد، عندما سألت لماذا لا يطير قيل لي، لن يجد ما يأكله وسيموت، لقد تعود على أن يُطعم لا أن يبحث عن طعامه لوحده .

غريب حالنا وحال هذا الطائر، تشابه عجيب رغم أننا ندعي حبنا للحرية إلا أنه آثر العودة للقفص، رفض المغادرة خوفاً أو ألفةً، ربما هذا من إسقاطات النظرة البشرية، ولكن في موطنه هو حرٌ طليق، هنا اختار العبودية، كذلك نحن كل يوم تطرق بابنا الحرية أحياناً بلطف وحيناً يكاد الباب يسقط تحت ضرباتها، إلا أننا نجد الأسباب الكثيرة لنرفضها ونبقى في عبودية القفص، وخصوصاً عندما يصبح القفص مريحاً فيه أسس البقاء.

كان في بيتنا ولكنه ليس فرداً، كنّا نقنن له الطعام فيشكرنا ويرقص لنا، لم نمنحه يوماً حقوقا وامتيازات ومع ذلك تقبل كل ما صنعناه، لم يرفض وعندما واتته الفرصة للانطلاق قرر أن يفاوض على البقاء، خوفاً من الحرية، أو خوفاً من الموت، أنا لا أستطيع إثبات أيهما أقوى ولكني اشعر أنه الخوف من الحرية، وبهمسٍ ودون ضجيج، أشعر أن الكثير منا يشبه هذا الطائر، يصر على أن يبقى عبداً وذلك لحصوله على بعض الامتيازات، فيشعر بنشوة عندما يتراقص أمام  الجميع فرحاً في قفصه .

العبرة الأخرى كانت هي ترديده للكلمات، لا اعتقد أنه يفهمها ولكنه كان جاهزاً بها ما ان نشير إليه أو نقترب من قفصه حتى يطلقها مرة واحدة كاسطوانة موسيقية ، وذلك كان يذكرني بِنَا عند طفولتنا عند زيارة المسؤول فكانت إدارة المدرسة تجبرنا على الاصطفاف والتصفيق والغناء، وغالباً اذا كان المسؤول من الحكومة لا يفقه العربية فكان غناؤنا له بالعربية أشبه برقصات الطائر، وكبرنا وبقي في داخلنا حب الاصطفاف والاقتراب من المسؤول، وكيل المديح له ولكن هذه المرة بلغته هو ليفهم ، لقد تطورنا أكتر من طائر ببغاء اللوري الأحمر، فكلماتنا أصبحت غير مبهمة وبها جزءٌ من التملق لا يستهان به.

قبل أيام قام أحدهم مستغلاً ظروفاً خاصة باختطافه، فاختفى الضجيج والكلمات، في البداية وبعد أن قمنا بتجهيز التدابير الامنيه من شراء كاميرات مراقبة واجهزة إنذار، كان الإحساس الاول المسيطر هو كيف يعتدي أحدهم على البيت، ويسطو على طائرنا ألا توجد حرمة للبيت، ولكن الحقيقة أن من امتهن الاختطاف والسرقة قد تجاوز مسألة الحرمة، بل وتجاوز كل اخلاقيات المجتمع، ولكن مع هدوء العاصفة والاستمرار في البحث عن ذلك الببغاء الجميل سيطرت علينا فكرة أن من اختطفه من مأمنه قد يقتله، ولو هرب من المختطف هل سيعود ؟ أم سيفضل الأسر على الموت، هل سيسيطر الخوف عليه وينظر إلى الاختطاف على أنه انتقال إلى مسكّن جديد وعائلة جديدة.

وحتى نلتقي ، نحن جميعاً دون استثناء بحاجة لقراءة حالة هذا الطائر، في ظل الأقفاص الكبيرة التي نسكنها ، تلك التي سيطرت على عقولنا، ورفضنا الخروج منها بحجة الموت، نحن في حاجة لإعادة الحسابات عن ثمن الحرية، عن ترديد الكلمات التي نفهمها وتلك التي لا نفهمها، أخشى على حالنا أن يكون الطائر يجسد حالنا رغم أننا نعتقد لوهلة أننا خارج القفص، لا بأس أن فهمنا أن المسألة ليست حجم القفص، بل الطيران والتحليق عالياً خارج القفص، وأن الحرية تكمن في عودة الطيور إلى موطنهاعلى غصون الشجر.

رهط ٤/آب/٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • هل تعتقد أن الإسراف في الطعام يكثر في بلدك بشهر رمضان؟

    View Results

    Loading ... Loading ...