| | |

هل نستطيع وقف العنف؟!| بقلم: عوض عبدالفتاح

ב- 03/09/2018 19:12
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

لو أراد أيّ واحدٍ منا تدوين ما نراه بأِم عيننا من مظاهر عنف يومية، بمستويات مختلفة، لاحتجنا الى مجلدات. فكم بالحري لو أردنا تدوين ما يحصل في كل لحظة ولا نرى جميع هذه الحالات. هي مظاهر لا تنتهي بكارثة إنسانية غالبا، إما بسبب توسط اخرين، او ارتداع المتورطين في اللحظة الاخيرة عن الذهاب بعيدا في خلافاتهم، او في شجاراتهم. ولكنها في النهاية هي مظاهر عنف مُضرة ومقلقة، وتعكر صفو الحياة اليومية، وتترك جروحا نفسية في المتورطين وفي الناس المحيطين. هي شجارات داخل الاسرة، بين الزوج والزوجة، او بين الابن وابنه او ابنته، هي خلافات او شجارات بين الجار وجاره، على مترين او ثلاثة أمتار من الارض، هي خلافات على "صفة سيارة"، هي خلافات بين الطلاب في المدرسة، هي خلافات من بقايا انتخابات السلطات المحلية سواء فردية او جماعية، هي خلاف وتلاسنٌ بين مواطن ورئيس سلطة محلية ، يبدأ باستعمال الكلام العنيف، او العصي، وينتهي احيانا الى أستعمال السلاح الناري. مطاهر العنف هذه هي ايضا نتاج تورط في السوق السوداء التي باتت طاعوناً يفتك بآلاف الناس، وتعود أسباب الكثير من هذه الحالات الى مرض الاستهلاك، الذي يحوّل الرجل او المرأة الى مراهق او مراهقة، أو الى طفلٍ يريد ان يشتري كل شيئ بغض عن القدرات المالية. هي ايضا نتاج الانزلاق الى السكر والإدمان عليه، وفقدان الهيبة والدور. وهي ايضا تجد تعبيراتها على صفحات الفيسبوك، في الفاظٍ قاسية ومشينة.

انها ظواهر نعيشها منذ سنوات طويلة، نخرج عن طورنا عندما تطلق النار او تستعمل السكين لتغييب امرأة او رجل، شاب او فتاة، ثم نعود الى حياتنا الطبيعية، لنألف مظاهر العنف اليومية العادية التي لا ينته غالبها بالضرورة الى قتل، ولكنها مشينة وتُعكٰر صفو الحياة الفردية والاجتماعية. العجز هنا عن مواجهة هذه الآفة القاتلة، يتساوى بين الفرد العادي والقيادات – هيئات تمثيلية، احزاب، ادارة مدارس، لجان شعبية، لجان أولوياء الامور، لجان صلح. ونحاول قدر الإمكان اخفاء احباطاتنا، التي تصل أحياناً الى حد نزع ثقتنا بقدراتنا، نخفي كل ذلك لأننا نخشى من التسبب في زيادة حالة الاحباط العام، واليأس، وما يمكن ان ينتج عن هذا اليأس. وربما من اجل التغطية على الفضيحة.
الكثير منا، كأفراد، يتدخل في مسعى لفض شجار، او في منع خلافٍ بين طرفين. وأحيانا، ينجح أفراد، وكذلك لجان الصلح، في منع حالات خلافية من الانزلاق الى كارثة. غير ان حجم المشكلة اكبر من ذلك ، وتحتاج الى قدرات هائلة، منظمة ، وموجهة على مستوى المجتمع. القدرات البشرية موجودة، والانجازات التي حققها الفلسطينيون، رغم اثار النكبة الكبرى، كبيرة و تثير الإعجاب، ولكنها غير منظمة، والمؤسسات العربية القائمة تفتقر الى الاستراتيجية الكفيلة بمواجهة متطلبات المرحلة الحالية التي يعيشه مجتمعنا الفلسطيني، وخاصة مع تزايد اعداد الاجيال الشابة الباحثة عن معنى لحياتها، وعن الأمان في التعليم والعمل، وبناء البيت وتكوين أسرة. والاخطر اننا نواجه خطورة فقدان الكثير من هذه الإنجازات، والذي سيقود الى اتساع مظاهر التفكك المجتمعي.

إن التفكك المجتمعي هو تفكك مادي واخلاقي، والذي يعني تآكل قيم الاحترام المتبادل ( بين الكبير والصغير ) وداخل الاسرة، وقيم التضامن المجتمعي، وشيوع مظاهر الفردانية المتمثّلة في حب الاستهلاك والتمحور في الذات، اي الانانية التي تجعل الامتلاك، امتلاك الشئ اهم من الانسان والروابط الاجتماعية والأنسانية. هكذا تخرج الامور عن السيطرة، ويتحول المجتمع الى قطيع، قطيع مستهلك ومُبذّر، وغارق في الفقر، ومن ثم العنف بكل اشكاله الكلامية والجسدية. وبدل ان نتضامن مع بَعضنا ونحاول المساعدة، إما نتشفى بالشخص المتورط، او نقوم باجترار الحديث عنه لتمضية وقت الفراغ.

لماذا نحن على هذه الحالة؟! وكيف الخلاص؟! الا نحتاج الى ثورة..

هناك من يعتقد انه اذا كتبنا كل يوم عن العنف، وصرخنا، وتظاهرنا، وعقدنا المؤتمرات نجد الخلاص.
نعم لقد بات الامر خطيرا، ومحزنا، وصادما، خاصة حين نستيقظ كل يوم، أو لا ننام، الا وسمعنا نبأ عن قتل أو شجار. وهذا ردّ فعل طبيعي، نابع من انفعال عاطفي إنساني طبيعي فور سماع الخبر عن الجريمة ، اذ يقتحمك شعورٌ بالخوف من وصول العنف إليك. غير ان شكل الردود هذه، بات يثير الاحباط اكثر مما يولّد الأمل .
نحن نحتاج الى ثورة حقيقية، ثورة على النظام الذي احتلنا، عام ١٩٤٨، النظام الذي طرد نصف شعبنا بطريقة همجية، النظام الذي قرر من اليوم الاول ابقاءنا ضعفاء وأميّيين، وحطابين وسقاية ماء (على حد تعبير المستعمر الصهيوني اوري لبراني ١٩٧٥)، نحن الذين نجونا من النكبة والذي فرض علينا المواطنة الإسرائيلية، من خلال تجريدنا من معظم مقومات النهوض والتطور الطبيعي. جردنا هذا المستعمر من الارض، التي نحتاجها لنتوسع عليها، ونبني اقتصادنا، ومؤسساتنا التعليمية والثقافية. هدم مدننا الكبرى، حيفا، يافا، اللد، الرملة، عكا، وحول من تبقى من سكانها، واحياءها الى أحياء فقر. حاصر قرانا بالمستوطنات اليهودية، وضيّق مسطحات البناء، ولم يبن بلدة عربية واحدة، منذ سيطر على البلاد، وبنى مئات المستعمرات اليهودية، دون ان يسمح للعرب بالسكن بها. ويضطر العمال العرب الى السفر يوميا الى المراكز اليهودية للعمل في البناء والمطاعم، وقطاع الخدمات. يصل عدد ساعات السفر وحده، ذهابا وإيابا الى اربع ساعات، لمن يخرج من بلدات الجليل الى منطقة تل أبيب، بعد ثماني ساعات عمل. انها عملية تعذيب يومية. طبعا عذاب العمال، من ابناء شعبنا في الضفة الغربية، مضاعف ومهول.
ولدت اجيال جديدة داخل الخط الاخضر، عشرات الآلاف، أجيال تريد عيشا طبيعيا وأمنا معيشيا. المكان الذي بقي لنا لا يتسع لها. و بسبب فقدان الارض ، اتجه الآباء الى تشجيع ابنائهم على التعليم الجامعي، ليس فقط كشرط حضاري، بل في الاساس كطريقة للبقاء، والتطور في وطننا. لدينا اليوم عشرات الألاف من الطلاب والخريجين الجامعيين ، القليل منهم يعمل في مجال تخصصهم . نعم لدينا نخبة متعلمة متألقة وواعدة في كافة المجالات؛ التعليم، الطب، الهندسة، و الهايتك، ولدينا نخبة واسعة نسبيا من الكتاب والاُدباء الشباب، المرتبطين بالهم العام. لكن غالبية الجيل الشاب، بدون عمل، وبدون بيت، فماذا يقول القانون الاجتماعي ازاء مأزق الشباب.
لقد قال مقولته في انتفاضات وهبات شعبية عارمة، كان أوسعها واخطرها، الهبة الشعبية أكتوبر ٢٠٠٠ في الجليل والمثلث والنقب. وقالها الشباب العربي، في تونس، ومصر، واليمن، والبحرين، والسعودية ، وسوريا والعراق والأردن ، وغيرها من أقطار العالم العربي ، في انتفاضات مهولة ومرعبة. وقالها في بقاع مختلفة من العالم. الشعوب لا تسكت على الظلم ، حتى لو نجح الطغاة في الانتصار على ثوراتها، في مرحلة ما.

يقول القانون الاجتماعي، عندما يعجز الشعب المقهور عن تنظيم نفسه ضد القاهر، يتحول العنف الى داخله.
وهذا ما بدأ يحصل في مجتمعنا الفلسطيني داخل الخط الاخضر، في السنوات الاخيرة، وهو مرشحٌ للاستمرار. فقدنا القيادة التقليدية، التي شكلت مرجعية للناس في سلوكهم وحل خلافاتهم، التي ظلت فاعلة الى حدٍ ما حتى أوائل الثمانينات، حين حلت محلها القوى الوطنية السياسية، التي فرضت هيبتها حتى ما بعد الهبة الشعبية، بسنوات. اذ تمكنت القوى السياسية، حتى سنوات خلت، من توجيه غضب الناس ضد المؤسسة الصهيونية، وبالفعل تحققت إنجازات كبرى. غير ان العقد الاخير، شهد تراجعا انحسارا في وزن إلهيات الوطنية، التمثيلية والحزبية، وفشلا ذريعا في تجديدها، وضخها بطاقات جديدة.
اذا، مواجهة العنف تتطلب شرطين أساسيين:

الاول؛ الفهم العلمي لخلفية العنف، السياسية، الاقتصادية الاجتماعية، وبطبيعة الحال الثقافية. يجب تعميم ثقافة فهم المسببات الحقيقية لايٍ ظاهرة اجتماعية، بين الناس، وخاصة بين من يجب ان يضطلع بمهمة التصدي للظاهرة. ان توجيه الغضب كله نحو الذات ، كالقول اننا شعبٍ متخلف ، هو تضييع البوصلة، وتضييع للجهد ، وتبرئة المجرم الرئيسي، ألا وهو المؤسسة الصهيونية. وكما ان شتم المؤسسة الصهيونية، دون ادراك مسئوليتنا نحن كمجتمع، وكمؤسسات، ايضا هو هروب من هذه المسئولية.
الثاني؛ التنظيم الذاتي. ليست الضحية هي التي جلبت الاستعمار الى أرضها، ولكنها تتحمل المسئولية عن استمراره، عندما لا تقاوم، وايضا عندما لا تقاوم بطريقة منظمة وناجعة. الفلسطينيون، داخل اسرائيل، خرجوا من مقاومتهم السلبية، بعد هبة يوم الارض، ومنذ تلك الهبة، قطعوا شوطا كبيرا في مجال تنظيم أنفسهم ، وتمكين ذاتهم . وهكذا تحولوا الى رقم صعب في معادلة الصراع داخل فلسطين.
ليس هذا ما تمناه نظام الابارتهايد الكولونيالي، ولذلك أعاد انتاج سياسات استعمارية وعنصرية قديمة بمستويات اعلى وبأشكالٍ جديدة قديمة ، بهدف تقويض ما حققناه من إنجازات وطنية، وتعليمية، واقتصادية.
المعضلة، تكمن في عجز من لا يزال يمسك بقيادة المؤسسات التمثيلية، عن فهم المرحلة، فهمًا استراتيجيا، وبالتالي ضرورة الانشغال بتفكير استراتيجي مضاد، يقوم على البناء المنهجي، وتنظيم المجتمع ودفعه الى الثورة على هذا النظام، وليس على رد الفعل. وللتوضيح، اقصد بالثورة، اولا: اعادة بناء المؤسسات التمثيلية، وفِي مقدمتها الصندوق القومي، ولجانها الفرعية المؤهلة. وثانيا، بناء هيئة شعبية موسعة، تستند الى لجان شعبية ميدانية، تضع خطة مقاومة شعبية مستمرة، سلمية، مدنية، تستمر لسنوات، وان لا يخلو اسبوع واحد من وقفات، تظاهرات، اعتصامات، خيم احتجاجية، مظاهرات في الشوارع، محاضرات في المدارس، نشاطات فنيه وثقافية في الشوارع، وتحويل حفلات الاعراس الى أعراس وطنية، وضرورة تقليص تكلفتها للتخفيف عن صاحب العرس وعن الناس عموما اما الاستجمام الذي بات إدمانا عند البعض، وليس ممارسة طبيعية للترويح عن النفس، فلا بد من العمل للاقلاع عنه، وذلك مراعاة لظروفنا، وتجنبا للديون المترتبة عنه.
هدف هذه النشاطات هو اعادة بناء الأمة، وتفعيل المجتمع بكافة شرائحه، من خلال تفعيل الحقل الثقافي (ثقافة الانتماء الى شعب، وهوية وطنية، وثقافة التطوع والانخراط في الاحتجاج، والنضال). كل هذا لا يمكن ان ينتظم بدون رأس قيادي، مؤهل، شجاع، حكيم، متفانٍ.


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.