| | |

لا حديثَ عن الحُبِّ

ב- 10/09/2018 11:15
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

( سلسلة من قصص الزَّواج التّقليدي عند البدو، في الأيَّام الخوالي)

كانت "نايفة" في السّادسة عشرة من عُمرها أمّا "عيد" فيَكبُرها بعامَيْنِ حسب رواية جَدَّته، والخطبة والزَّواج بلا فاصلٍ زمنيٍّ بينهما، وعادةً يكون بعد انقضاء موسمِ الحَصادِ مُباشرَةً، لم يكُن لنايفة الخَيار لِتَقْبل أو ترفُض فالأمورُ تأتي على عَجَلٍ لمن حانَ دورها من البنات ولِمَنْ أقبَلَ نصيبها إذا كانت البِكْر، وبالنّسبة لعيد فكُلُّ النّساء نساء، والقرارُ ليسَ قرارهُ هو أيضًا وقد يكون الأمرُ كُلّهُ مُفاجأة له دون علمهِ حين يعودُ يومًا إلى الدّيار مع قُطعان العائلة

ويتمُّ الزّواج على عَجَلٍ فلا حالات طوارئ ولا استعداداتٍ ولا ترتيباتٍ كبيرة من شأنها تأخير "الفرح" ، كُسوَة العروس بسيطة طِبقًا للمقولة : "ثوب وعَبَاهْ وبُرْقُع وُوْقاهْ" ، والعريسُ أبسط من ذلك بكثير والذّبائح متوفّرة والمُؤن مُخَزّنَةٌ، فأهلًا بالأفراح واللّيالي الملاح سبعة أيّامٍ بلياليها

وتبدأ حياةُ الزّوجَيْن اللَّذَيْنِ لا يعرفُ أحدٌ منهما مِقدار قِطميرَةٍ عن الآخر، حياةٌ جديدةٌ ستطولُ ما شاءَ الله لها أن تطول، ولا يجبُ أن تشوبَها شائبة كما هو سائدٌ عند أهليهم والمُتَعارف عليه في ذلك الزَّمان، هي مسألةُ يومين أو ثلاثة لتبدأ نايفة نشاطها كامرأةٍ عاديّةٍ تُمارس أعمال بيتها الجديد وحياتها الجديدة كما كانت من قبل تمامًا، والفارقُ الوحيد هو أنّها الآن مسؤولةٌ من رجلٍ لا تعرفهُ من قبل إلى أن أصبح زوجها بين عشيَّةٍ وضُحاها، فتُشارِكُ أهلهُ مشاغلهم وطعامهم وشرابهم وأشياء أخرى كثيرة، و" عيد" الذي شعر أنّهُ هو الذي تغيّرَ بتحمُّلهِ مسؤوليّةً جديدة.

لا وقتَ للوِصال ومُحاولات التّعرُّفِ أحدهم على الآخر، طباعهُ أخلاقهُ ماذا يُحبُّ وماذا يكره، هي الأيّام القليلة القادمة كفيلةٌ بالكَشف عن هذا كلّه دون تفصيلاتٍ ولا خوضٍ في الحيثيّات ، فالفَراسَةُ والبلوغُ الذّهنيِّ البديهيّ والطّبيعي سيلعبُ دورًا في هذا كلّه، لا حديث عن الحُبّ، فالمُعامَلةُ ستُثبتُ ذلك مع مرور الأيّام، وقد تكون صعوبات في التّفاهُم ولكنّها لا تُسَجَّلُ كعَثراتٍ تُعيقُ بدايات هذه الشّراكة الجديدة.

لا حديث عن الحُبَّ ، ولكنّ نايفة ألِفَتْ زوجَها كما أنَّها شعرت أيضًا أنّهُ جعل في نفسهِ لها مكانة،ً والدّليلُ غيابه الذي بدأ يقصر ، وكثيرًا ما كان عيد يحلبُ عنها النّاقة، ونايفة كانت على يقينٍ أنّ أفعالَها هي التي ستشُقُّ طريقها في هذا العالم وكذلك الطريق إلى قلب زوجها وأهله، فهي أيضًا من بيتٍ كبيرٍ وعائلةٍ لها مكانتها واحترامها.

لا حديثَ عن الحب، حتّى بعد أن مرّت عدّة أشهرٍ وحملت "نايفة" حَمْلها الأول وكان عيد قد حصل على قطيعٍ خاصٍّ به من أبيه يَرعاهُ ليعتاش منه وهذا يعني استقلالًا اقتصاديًا وترتيبات كي يبدأ الاعتماد على نفسه.

وعلى خبر حَمْلِ نايفة بهذه السرعة زاد احترام أهل زوجها لها وكذلك احترام أهلها هي، وهذا يعني أنّ خطوات الزّواج النَّاجح تتقدّمُ كما يجب وفق خطّةٍ كأنّها مرسومةٌ ولا يجب أن تحيدَ أو تتأخّرَ خطواتها، فالزَّواجُ من المفروض أن يَليه الولد وهو المرحلة التي تُثَبَّتُ الزَّواج وتُرضي جميع الأطراف وتُنهي أيّ خلاف .

لا حديث عن الحُبِّ حتى اللّحظة، ونايفة تَنوءُ بِحَمْلها في أسابيعه الأخيرة وهي تُديرُ حَجر الرّحَى و"عيد" يحمِّلُ على النّاقة أكياس الحِنطة والشّعير ليستعدّ للبِذار ، وعَينُهُ تُوَدِّعُ زوجته بشيءٍ من التَّخوّف والقلق، ولكنّ مشاغل الحياة وضنك العَيش يستعجلانه فينطلق

ولمّا عاد في المَساء إلى بيته رأى الرَّحى في مكانها والدّقيقُ ما زال على الأطراف ولم يرَ زوجته في استقباله كعادتها ولم يسمع صوتها أو يشعر بحركتها، زاد قلقه ولكنّه لم يحتَر كثيرًا واتّجهَ على الفور إلى بيت أهله وقبل أن يدخل لاقَتْهُ أمّهُ قائلةً :

– "البشارة يا عيد"

وفي ذلك خبرٌ عظيم تَفَطَّرَ له قلبُ عيد بفَرحةٍ خرساءَ لم يعهدها من قبل في أركان قلبه وتَهلَّلَتْ أساريره خلف خجله السّعيد وبَشَّرَتْهُ أنَّ: "نايفة جابَتْ ولد"

وفي هذه العبارة بالذَّات ألف معنًى وتأويلٍ ،كأنّها تعني نايفة وحدها ، وتعني الكثير، أي أنّها "وَلّادة" وولدت بِكرها ذَكَرًا وهذا ما يطمحُ فيه أيّ زوجٍ وزوجة حتّى أهل الطّرفين، ورأى جَدّته وبعض النّساء يدخُلْنَ ويخرُجنَ من عند نايفة فأكمل طريقه إلى "الشّق" وجلس على طرف الفِراش كالجالس على جمرة.

حَلَّ المساءُ على عيد في بيت أهله ولم يرَ بعد بِكْرهُ ولا أمّه، ولكنّ أمّ عيد حرصت على أن تنتهز الفرصة المناسبة لتناديهِ وعلى بصيص المصباح رأى الوليد بين ذراعيّ أمّه فأبَتْ عيناهُ إلّا أن تنظر إلى وجه نايفة المُرهَق من آلام المخاض وفي ذلك رسالة شُكْرٍ ومودَّةٍ بائنةٍ وحديثٍ يختصِرُ أكبر الكلمات فلا حديثَ عن الحُب، أما نايفة فلم تطمح بأكثر من هذا، فقد شعرت أن عيد اهتمّ بها تمامًا كاهتمامه بالوليد أو يزيد وترجمت نظراته إليها كأنّه يقول هذا قطعةٌ منكِ أنتِ إليّ فأيّ هديّة أكبر من هذا وأيّ وفاء.

وفي ساعات مساء الغد أقيمت وليمة العقيقة ودُعيَ إليها كافّة الأقارب والجيران ويقف عيد وفيه شعورُ الفخر والاعتزاز بمولوده الذّكر البكر وبينه وبين نفسه يشكر نايفة كأنّها المسؤولة وحدها.

وتمضي الأيَّام ويزيد الودّ وتسود الألفة بين الزّوجين و"عيد" من جانبه لا يبخل عليها بشيء، وكلّما ذهب إلى المدينة كان لا ينسى أن يشتري لها الحلاوَة والزّبيب والقُطّين والقماش ولوازم الخياطة والتّطريز، فتغمر البيت السّعيد فرحةً كبيرةً وسعادةً لا تُوصف حال وصوله، وتستمرّ الحياة ولا حديث عن الحب.

وتحمل نايفة حَملها الثاني ثُمّ الثالث وهي تنجبُ البنين ورَبُّ الأسرة يجتهد في توفير كلّ سُبُلِ الحياة الكريمة فيرعى أغنامه ويزرع قطعة الأرض التي وهبها له والدهُ وترى نايفة أنَّها يجب أن تساعدَ زوجها وترفعَ من مقامه فتُلِحُّ عليه أن يشتري جملًا والجملُ في ذلك الزّمان يعني الرّفاهيّة ويُسْر الحال ورمز الثّراء بخلاف النّاقة التي هي مصدر رزقٍ وإعانة، وتعرض عليه مصاغها ليبيعه ويشتري الجمل ويتمّ لها ما أرادت ويُشاعُ خبر الجمل الأوضح الذي اشتراه عيد بين العُربان ويُذكَرُ اسم عيد في "شقوق العرب" .

بعد هذا كُلّه وبعد ثلاثة أولاد وجَملٍ وحياةٍ هادئة رغم قساوتها رأى عيد أنَّ الخيرَ قدم مع نايفة أو أنّ هكذا هي الحياة الزّوجيّة، بذلٌ وعطاءٌ وإيثارٌ ومشارَكةٌ وكفاحٌ، فلم يتأخّر عن إسعادِها بكُل ما يستطيعُ، وشعر أنّها أصبحت جزءًا من حياته فكان يأخذُ رأيها في كلّ صغيرة وكبيرة وكان رأيها سديداً وصائبًا.

وتستمرُّ الحياة وتمضي الأيام وفي سنّ السّادسةِ والعشرين كانت نايفة قد أنجبت سبعة أولاد، فأيُّ عِزٍّ وأيُّ برَكةٍ وأيُّ فخرٍ لها ولزوجها حين تزور هي أهلها وخلفها هذه السّلسّلة من الذُّكور يُمسكون بِتلاليب "قُنْعَتها " من كُلّ جانب ويملؤونَ "المَحَاس" (المكان) جَلَبَةً وضجيجًا والفرحة تملأ الجميع، ووجه نايفة لا تفارقهُ السّعادة والفخر .

وتمضي الأيام، ولا حديث عن الحب، ويكبر الأولاد ويزداد قطيع الأغنام الضّعف منذ زواجهما والإبل كذلك زاد عددها، وتبدأ نايفة في التّحضير لتَوسعة الخيمة، وذلك يتطلّب منها العمل ليل نهار من غَزْلِ الشَّعْر والصُّوف.

وفي عامٍ من الأعوام يَعُمُّ البلادَ مرض "الحَصْبَة" الخطير فلا يكاد يسلمُ منهُ بيتٌ من بيوت العُربانِ إلّا وفيه مريضٌ من هذا الدّاء الخطير ، حتّى بيت عيد

سليمان السرور


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.