| | |

عروس البادية – 1 | بقلم: سليمان السرور

א- 16/09/2018 9:12
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

اللَّيلةُ الأخيرةُ التي مَرّتْ على نايفة في بيت أهلها كانت مليئةً بالقلقِ والخوف والخجل الشَّديد، تلك اللَّيلة الوحيدة التي استراحت فيها من أعمالها الرُّوتينيّة المعهودة في بيتهم، فهي عَروسٌ وغدًا ستُغادر هذا البيت إلى بيتٍ أخر في مكانٍ آخر.

لم تَنَمْ ليلتَها وهي تفكِّر كيف ستترك أهلها وتنقطعُ عنهم مدّة أكثر يوم، فلم يحدث في حياتها أن فارقتهم لأكثر من ثُلثيّ النّهار.

وفي الجانب الآخر، أصبح الصَّباح في ديار العريس "عيد"، ونُوديَ على (أبو سالم) سائق التَّندر، سائقٌ مُتمرِّسٌ مَعروفٌ بخِبرتهِ في السِّياقة، لا سيّما في الطُّرق الوَعرة، وبدأ الشَّباب يُغطُّون التَّندر بالبُسُطِ الحَمراء، وهي الزّينة المُتَّبَعة في الأعراس، والرَّايات البِيض وبعد تجهيزها تَلثَّمَ أبو سالم بمنديلهِ كالمُقبلِ على غارةٍ وتَقدّمَ بسيّارته نحو خيمة النّساء وكادَ أن يقطع حبالها وهو يحاولُ الرُّجوع إلى الخَلف دون أن يلتفتَ أو ينظُرَ في المِرْآة.

امتلأ الصندوق الخلفي للتَّندر بالنِّساء، فيما حاولّ بعض الأطفال التَّسلُّقَ ليركبوا، فمنهم من نجح ومنهم من لم يُسعفهُ الحظّ، فالسَّفرُ ضمن زَفَّةٍ كهذه أمنية كُل طفل،

وكأنَّ أبا سالم تلقّى إشارة الانطلاق، أيضًا دون أن يلتفت أو ينظر في المرآة، يده اليُمنى تُمسكُ بالمقود واليُسرى مُدَلّاةٌ مع طول الباب تكاد تلمس الأرض، يجلس إلى جانبه أبو عيد كقائد السّريّة، وهو الآخر قد شَدَّ عليه لِثامهُ فلم يبقَ من وجهه سوى عَينيه، سيّارةٌ أخرى انضمَّت "للفاردة" فيها ما يزيدُ عن عشرة رِجال.

وما زالَ صوت الغِناء يُسمَعُ حتَّى تَوارَى التَّندر عن الأنظار بين تِلال البادية ووِديانها.

مسيرُ ساعةٍ أو بعض ساعة وتَصِلُ "الفاردة" إلى ديار العَروس، وغناء النَّسوَة لم ينقطع من ساعة انطلاقهم، فتَوجَّه أبو سالم نحو خيمة أهل العروس إلى حيث النِّساء، وأيضًا دون أن يلتفت رجع إلى الخَلف وأوقف السّيارة فنزلت النِّساء وامتَزجت زغاريدُ المُستقبلاتِ مع زغاريدِ القادمات، وفي هالةٍ كبيرةٍ مُتجانسةٍ كأنَّهُنَّ قطعةٌ مُخمليّةٌ سَوداءُ واحـدة دخلْنَ الخيمة.

تّوجّهُ السّائق "أبو سالم" إلى الشِّقّ فسَلّم ثُمّ جلس وأماطَ لثامهُ عن وجههِ والغبار يَكسو جبهتهُ وحاجبيه وتناول إبريق الماء فأتى على نصفهِ وأكثر.

وبعد الغداء الذي أعدَّهُ أهل العروس تبدأ طريق العودة، تصعد نايفة إلى الصندوق الخلفي تتأجَّجُ منها رائحة عطر القُرُنفُل كأنّهُ سُكِبَ عليها بغزارة، وسط غناء ورغاريد تصُمّ الآذان، فتجلس على فرشة تُحيط بها النِّساء، وتودّعها أمّها بعد أن وضعت بجانبها صُرّةً كبيرةً وصندوقًا صغيرًا

وينطلقُ أبو سالم دون أن يَلتَفِت.

نلقاكُم حين تصل "الفاردة" إلى الدِّيار بإذنِ الله.

سليمان السرور


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • من ستنتخب لرئاسة مجلس تل السبع؟

    View Results

    Loading ... Loading ...