| | |

حتى نلتقي – بين عوجا حفير وسبيطه*

ש- 20/10/2018 10:15
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب
يوسف ابو جعفر

يوسف ابو جعفر

عندما أوقفت المركبة  شرقي التلة  بدت معالم المكان ظاهرة للعيان، اختفى خط الأفق الأسود وأصبحت حمرة شفق الصباح سيدة الموقف، وبسرعة وضع كلٌ من صديقيَّ حقائبهم على ظهورهم، أما أنا فهذه  المرة الأولى التي أخرج فيها لاستكشاف مناطق لا تطأها الأقدام عادة، هناك بدت اثار محطة  القطار شاهدة على العصر، كلما اقتربنا منها بدى جمالها وأصوات البنائين تعلو كأنها تعود من الماضي، وللحظة كنت أرى القطار ينطلق مرة نحو القصيمة ومرة اخرى يسافر نحو الشمال يطلق صافرة ويترك خلفة بخاراً وصخباً، لا ادري لماذا للحظةٍ اختلط الماضي بالحاضر، كيف استطاع هؤلا أن يقفوا هنا في عوجا حفير ليكتبوا مجداً في زمن  قياسي، لا اذكر كثيرا من تفاصيل التاريخ ولكن عندما تركنا المحطة كان نزار يتفحص حجارة الوادي البيضاء.

نزار متمرس في استكشاف المناطق، ليلة أمس التقيته في بيتي لأول مرة، عندما طلب مني صديقي احمد أن أرافقهم في محاولة استكشاف سكة الحديد في عوجا حفير والسير على الأقدام نحو سبيطة، اعتقدت أني سأذهب نحو اكتشاف نفسي اكثر من سكة الحديد العثمانية، حقائب الظهر كانت مليئة بالماء، درجة الحرارة تقارب الثلاثين ، وحسب التخطيط سوف ننهي المسار في ثلاث ساعات .

تم تحديد المسار، نحاول تجنب  معسكرات الجيش ولذلك لن نستطيع السير بمحاذاة الشارع العام، عندما تركنا الوادي لاحظنا أن المنطقة  كانت مأهولة، وحجارة الوادي استعملت لبناء ورصف مساحات كبيرة ، حاولنا أن نفهم، ما دار في  المنطقة لم تكن صحراء منذ الازل، هنا سكن اقوام، هنا قاموا بزراعة الارض، فالسهل الممتد من عوجا حفير شرقاً على ضفتي الوادي يقول لك كان هنا زرع وكان هنا تاريخ.

الصعود الى القمم يعطيك إحساساً رائعاً بالانجاز، نحاول تحديد المسار بتكنولوجيا الجلاكسي والأيفون  وننطلق نحو الشمس، هدوء الصحراء عجيب،  تكاد تسمع دقات قلبك وصوت  نسمات الهواء الباردة عندما تلامس وجهك، تدرك عندما تصبح في قعر الواد  بين الجبال أنك أصغر  شيء هنا، وعندما تصل إلى المرتفع تزداد قناعة بذلك ، الصحراء تمتد وتمتد ، جغرافيا وتضاريس المنطقة كلها تتغير، عندما توقفنا للاستراحة الأولى كان ظاهرا للعيان تمرس اصدقائي  في السير، كنت في الخلف أسير الهوينا، تحدثني نفسي تارة عن الصحراء مهبط الوحي، وحيناً عن أولئك الانباط الذين بنوا حضارة الصحراء، وبين هذا وذاك أشعر أن هذه الارض تشتاق لأصواتهم لا لأصوات المجنزرات والدبابات التي  اختارت بعض القمم لتجثم عليها، لا بد أن الارض تفضل من يلامسها بحنان لا    من  يمزق وجهها ، من يداعب عوسجها، متنانها، وصخورها، كانت تشتاق وما زالت تشتاق .

وراء كل قمة كنّا نعتقد سبيطة ، ووراء كل وادٍ كنّا نرى مرتفعاً يتطلب صعوده جهداً اخر، كنت اعتقد أن البداوة تمنحك جينات التعرف على الطريق، حتى ظهر لنا  سهل واسع للوهلة الاولى قلت ما بقي إلا القليل، عندها أدركنا أننا كنّا نبتعد  عن هدفنا، وأن سبيطة أصبحت في الاتجاه المعاكس، عند الواحدة ظهراً بدت لنا سبيطة في الأفق وأدركنا للتو أن التكنولوجيا لم تستطع تحديد سبيطة ولكنها الآن تسعفنا لتصحيح المسار، وجاء صوت الدكتور أحمد " مش قلتلكو" أراد صعود الجبل وفضلت أنا الوادي ووجد نزار نفسه مضطراً نوعاً ما أن يوافقني الرأي ، لعله اقتنع ببقية جينات البداوة لدي لتهدينا سُبلنا في الصحراء ولعله الحديث الشيق، أما الآن فالمهمة هي الوصول تحت حر الشمس.

عندما يصبح الإرهاق شديداً يحاول الجسد التوقف، ولكن لا مجال للتراجع، والتحدي الحقيقي هو الوصول إلى سبيطة، تأخرت خلفهم أرى ظهورهم كانوا ينظرون إلى الخلف ليتأكدوا من استمراري ، أما أنا فكنت انظر الى السهل أسمع أصوات الانباط وهم يمرون الصحراء في درب البخور، كيف أقاموا مملكة حاربت روما، كيف أقاموا تاريخاً ومجدا ، كيف انتقلوا بجمالهم وخيولهم ، كيف أقاموا عاصمة ملكهم في أودية الصحراء في بترا ومدائن صالح   وكرنب وسبيطة.

لا بد أن شيئاً ما جعل من هؤلاء الرحل اسياد العالم، رغم مرور الزمن ما زالت حجارتها وأبنيتها عامرة، هنا الكنيسة ، هنا المسجد، هنا السوق، هنا الحمام، وهنا معصرة الزيت وعصير الكرمة وجفنات العنب، أصوات خيولهم تأسر القلب، تأخذك إلى زنوبيا في تدمر وهي تصرخ في وجه الرومان، أن الشرق ينام ولا يموت .

فنجان الاسبرسو أعادني بمرارته الى الواقع، كانت عيني نزار كمن يبحث عن موقع الكاميرا لزيارته القادمة ، نزار سيكتب التاريخ بالصوت والصورة فهو المخرج المعروف، يحمل هم الشرق، والدكتور احمد سيعود لينبش كتب التاريخ في اسطنبول وأرشيف العثمانيين هناك، أما أنا – والتعب قد أخذ مني إلا  أني رغم ألم السير سعيد- لقد كانت أصوات الماضي تنادي بقوة وكأني برعيل الخيل تخرج من الصحراء تحطم أساطير الكذب في ليلة قمرية تنادي، أنا الصحراء لن يحكمني إلا من احبني ولاطف حجارتي، ومن أبادله الحب، أنا عشقٌ حتى نلتقي.

١٩/ تشرين أول/ ٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.