| | |

حتى نلتقي – تكرار الأخطاء

ו- 09/11/2018 8:06
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب
يوسف ابو جعفر

يوسف ابو جعفر

الانسان بطبيعته مخلوق يتعلم ويطور ويتطور، ولكن هذا التطور بشكل عام كان حصيلة الحضارات والعلوم السابقة  للبشرية كلها، وهذا كم جمعي وليس فردي، لذلك ومع مرور الزمن يكون لدينا إحساس أننا نتعلم بسرعة من أخطاء الماضي.. نظرة قصيرة في حياتنا تثبت عكس ذلك.

يحدثني أحد الأصدقاء قائلا: في شارعنا حفرة منذ زمن طويل، وأعرفها جيداً، رغم ذلك أَجِد أني عندما أقود مركبتي في الشارع  أقع في الحفرة، أما الآخر فيقول رغم سفري الكثير إلا أني أعود غالباً الى نفس المواقع، المطعم، الساحة، المعالم، لا ادري لماذا؟ بالرغم من وجود مطاعم وأمكنة أخرى قد تكون قريبة هي أفضل وأرخص سعراً وأجمل، أي انها تفوق ما اعرفه بكل المقاييس وما زلت أعود لنفس المكان.

أما على صعيد العلاقات، فكثير منا يرتكب الحماقات مرة تلو المرة في معاملاته مع الناس، رغم التحذير من العواقب، فالابن يعود لمجموعة من الأصدقاء الذين يفسدون أخلاقه المرة تلو الاخرى، ويبقى السؤال اذا كان البشر يتعلمون من ماضيهم لماذا يصرون على ارتكاب نفس الحماقات والأخطاء، وحتى لا يعتبر البعض أنها مجرد مقالة تفحصوا حاضركم وماضيكم، كم من الأخطاء أعدنا تكرارها على أمل أن الأمور ستتغير؟ ثم فوجئنا أنه ما أشبه اليوم بالبارحة، وأن ما كان سيكون وهكذا دواليك.

هذا المجال بالذات أوسع الأبواب لطرح الافكار، فنحن نتحدث عن عالم العقل والعاطفة والنفس البشرية بالمفهوم اليومي، والحقيقة أن الدول والعالم يبحث في هذا المجال أكثر من أي  شيء آخر، قد يحاولون اكتشاف الجينات البشرية، أو أدوية للأمراض المستعصية إلا أن الأبحاث التي تحرك العالم تختفي تحت ابواب علم النفس باسمائه المتعددة في الجوانب المختلفة، وجوائز نوبل مُنحت في ميادين مختلفة ومنها محاولة فهم تصرفات الناس، من شراء وبيع ومفاوضات وربح وخسارة وكذلك في هذا الباب بالذات إلا أن المسميات تختلف علينا احياناً.

إذاً لماذا نكرر الأخطاء وخصوصاً في القرارات المصيرية، ما هو السر في اختياراتنا غير الموفقة؟ لا شك ان الإجابات  كثيرة ولكن للتبسيط سأحاول أن أضعها في مقاييس شرق اوسطية أو قل عربية:

أولا: تحميل الدين ما ليس فيه، والأمثلة كثيرة، "ربنا كاتب له" أي أني لا أملك الخيار، وهذه مشكلة في فهم الدين فالله لا يريد للبشرية الخطأ ولكن البشرية تختار الخطأ، هل يأمرنا الله بارتكاب الحرام، كلا، الله لن يبعث لنا حارساً شخصيا عند كل قرار، اذا قراراتنا نحن في حرية تامة في الوضع العادي، عليَّ أن أنتبه للحفرة وأتذكرها حتى لا أقع فيها، أو أن أتفحص المعلومات الكافية حول الشريك المحتمل حتى اقرر تكوين شراكة  أو رفضها، لا أن أتغنى "مكتوب عليه" عند ظهور شريك محتال.

ثانياً: الزمن، نحن نتعامل مع الزمن بأريحية تامة كأنه لن ينتهي، فسوف نصحح الأخطاء وهكذا نستمر في ترقيع أخطاء الأفراد والجماعات باللغة العامية ما نسميه "المرة الجايه".

ثالثاً: حسابات الربح والخسارة عاطفية وليست عقلانية، فنحن نخاف الخسارة اكثر من شوقنا للربح، في تجربة اجريت على البشر في احتمالات الربح والخسارة أقترح أن يساهم كل فرد بمئة دولار، احتمالات الخسارة كانت  عشرون بالمئة والربح ثمانون بالمئة في ان يتحول المبلغ الى الف دولار ، رفض اكثر الناس المشاركة، ما معناه أننا نخاف ان نخسر أكثر من احتمال الربح.

رابعاً: الأمل، دائماً لدينا أمل أن الأمور ستتغير دون تدخل، لا يمكن أن تختفي أزمات السير في شوارع المدينة إلا بالتدخل، شرطة، فتح شوارع جديدة، أو تغيير المسار، رغم ذلك لدينا أمل دائماً أن هذه المرة المطعم سيكون أفضل وأن الفندق أفضل، بالرغم من عدم تغيير أي شيء في المعادلة، لم يقم المطعم بتغيير الطاهي الرئيس والفندق لم يقوم بعملية ترميمات.

لذلك لا تستغرب اذا وجدت أن الدول أو الشعوب في الشرق تزحف ولا تسير ، لأنها تختار نفس التجربة مرة تلو الاخرى ، في حين أن الدول المتقدمة  ترى أن التغيير المنشود عندما نتعود تدارك الخطأ، والامتناع عن السقوط في الحفرة بشكل دائم ، الاذكياء فقط أولئك الذين ليسوا من يجتنبون الحفرة ، بل من يقررون طمرها نهائياً.

ليس بالسهولة ان يتغيير البشر عن نهج التفكير إلا إذا قرروا، هذا القرار ليس صعباً بل بحاجة إلى جراءة كبيرة من الفرد نفسه،  أن يعترف بحماقاته ويقرر  أن يعيد فحص قناعاته أولاً وقبل كل شيء، ثم فليبحث عن طرق جديدة ويبتعد عن أخطاء الأمس.

وحتى نلتقي، لا تستغربوا إذا اكتشفتم أن اليوم كالأمس، فالبشر تحكمهم أنماط التفكير  التي تعودوا عليها،  ويعتقدون أن التغيير فقط يأتي من التكرار وليس من محاولات بطريقة اخرى، فنفس الطريقة حتماً ستوصل إلى نفس الخطأ.

رهط ٨/ تشرين ثاني / ٢٠١٨ م


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.