| | |

حتى نلتقي – الفنار

ש- 17/11/2018 8:32
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

يوسف أبو جعفر

كانت عينيه تدور بسرعة، تبحث عن شيء يعرفه جيداً، فظلمة الليل طمست المعالم، ولم تبق له إلا محاولة تذكر التضاريس، ولكنها تتغير بسرعة مع كل نسمة أو هبة ريح، الكل ينظر إليه أنه المنقذ، هذا الذي كنّا ننتظر قد جاء، ولكنه جاء في العاصفة، لم يأت في يوم ربيعي، دون رياح عاصفة، بل جاء مع العاصفة.

عندما أطال النظر تكلم المرافقون، كلهم يحذره من الصخور، ومن المياه المرتدة تلك التي تضرب مقدمة السفينة، لكن الخوف من أن يرتطم القاع بالصخور فيتمزق وعندها ستصبح السفينة مع تلاطم الأمواج أشلاء ، ليس بالسهولة القيادة عندما ينادي كل برأي وكل يؤمن بصحة خارطته التي وضعها لصخور المنطقة.

وبهدوء القبطان المعهود كان يبتعد عن الشاطىء لأن المياه العميقة أكثر أمناً من الشاطىء عند العاصفة، وكلما ابتعد قليلاً كانت عينيه تبحث عن شيء في الأفق ، عندما أبصر ذلك النور أدرك بسهولة أين سترسو سفينته دون أن تتعرض لكارثة.

تلك المنارة كانت أكثر فائدة من عشرات الخوارط البحرية، كانت الدليل في عتمة الليل، رغم ضباب الليل إلا أنه كان بالإمكان تحديد المسار وتجنب الأخطار والرسو بأمان.

وهكذا في عواصف الأيام لا بد من منارة، تكون جلية لا تتكلم ولكنها بليغة الكلمات، تقف في وجه العواصف لا تخشى الريح ولا تهاب المطر، تحدث عن الخطر، توجه نحو مرفأ الأمن الذي لا بد لسفينة القبطان أن تصله حتى تكمل المشوار.

في حياتنا العواصف لا تخبرنا عن موعدها كما في حالة الطقس، ولكنها غالباً تنذر بالقدوم وقد نحدد اتجاهها وأحياناً قوتها، هكذا في الصراعات التي نلتقيها في حياتنا، المهم أننا غالباً نستطيع التنبؤ بها، فالهدوء ليس من طبع البحر، وكل هدوء مستمر هو حالة غير طبيعية، علينا أن ندرك وخاصة ممن يحتاجون إلى مهارات للعمل خلال العواصف لمنارات، للإرشاد، هذه التي اختفت في عصر التكنولوجيا وال جي بي اس، GPS، ولأن العلاقات البشرية يصعب وضعها في قالب واحد فليس مثل النور الذي يهدي ويحذر ويفسح الطريق.

المنارة ليست بناءً، المنارة هي ذلك الشيء الذي يعرفك أنك في الاتجاه الصحيح ولكنه لا يقول لك متى تدخل المرفأ، فأنت القبطان وأنت الذي تملك القرار، فلا تكن قراراتك مبنية على المخاطرة كل الوقت، أو جاهزة فقط لردود الأفعال.

المنارة تضيء لك الطريق لتفتح أمامك إمكانيات متعددة كي لا تبقى مع خيار واحد، عندها تستطيع التحرك نحو هدفك.

كثير من شبابنا وقادة مجتمعنا اليوم نسي وظيفة المنارة، بل وأصبح معجباً بنفسه وتخيل نفسة منارة يهتدي لها الناس، وهذا الجهل بعينه، عندما تصبح منارة ذلك يعني الوقوف في مكان واحد والتحذير من الخطر، وبكلمات عادية التنظير، وهذا النوع من القادة لا ينفع بشيء، القادة الحقيقيون هم أولئك الذين يجابهون الصعاب والعواصف على متن السفينة.

قد يحتاج الشاطىء الصخري لمنارة، ولكن كم منارة نحتاج، غالباً واحدة، تخيلوا لو وضعنا عشرون منارة في نفس الموقع، لن تضيف تسعة عشر منها شيئا، بل ستكون عبئاً علينا. لذلك وبكل تواضع فليحذر الشباب والقادة من هذه النوعية من البشر، ولندرك أننا بحاجة إلى منارات في حياتنا لتضيء لنا عتمة الليل ليس فقط في شواطىء البحار بل في الفيافي والقفار.

وحتى ندرك الأمر فقد روى أحدهم أن شيخاً ضريراً كان يحمل ليلاً في سفره مصباح، فسأله أحدهم بتهكم، لماذا تحمل مصباحاً وأنت لا ترى؟ فقال؛ المصباح لمن يرون كي لا يصتدموا بي، وهكذا نحن بحاجة لأن نفتح قلوبنا وأعيننا نحو الحقيقة لنسير على هدى في قيادة بلداننا وبيوتنا، ليس من الإنصاف أن نعتبر أنفسنا منارات، وليس من العدل أن نترك الشاطىء دون منارة.

منارات الشواطىء كانت تسمى الفنارات ، كانوا يوقدون في أعلاها النار لتهتدي بها السفن، ما عادت الان إلا في مداخل المرافئ الصغيرة، نحن بحاجة إليها في حياتنا، ولكن لا أن نصبح نحن المنارة، كل مسؤول عليه أن يدرك أن دوره ينتهي عندما يتحول إلى منارة، المدير ، المعلم ، السائق، الرئيس ، مدير القسم ، نائب الرئيس ، عضو البرلمان، العامل في موقعه ، كل من يتحول الى منارة يفقد موقع القيادة ولا يستحقها، قبطان السفينة هو من يركب البحر لا من ترسو سفينته كل العام في مرفأ لتخرج في نزهة في يوم صيفي هادئٍ ليقال خرجت السفينة ولا يقال أبحر القبطان.

وحتى نلتقي من يركب السفينة لا يخشى من الغرق، اركبوا سفنكم وارفعوا أشرعتها وأبحروا نحو الأفق.

رهط ١٦/ تشرين ثاني /٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.