| | |

حتى نلتقي – سلڤادور دالي

ש- 24/11/2018 8:31
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب
يوسف ابو جعفر

يوسف ابو جعفر

ليس لدي ولع بالسيارات، وبشكل عام اعتبرها أصبحت في مجتمعنا مظهر نحاول من خلاله بعث رسالة لمن حولنا، حول قدرتنا المالية التي قد لا تطابق الواقع، لا أذكر أيضاً شكلها الأمامي إلا أن ما شدني هو تصميم الإضاءة الخلفي، في الليل يصبح شكلها جميل، ولا شعورياً أوحت لي بشكل الفنان العبقري المجنون سلڤادور دالي، فقد كانت الإضاءة تشبه شوارب دالي ولكن بشكل معكوس.

أذكر في بداية الثمانينات عندما فوجئت بلوحة  منسوخة عن احدى اشهر لوحات دالي بقيت مسمراً لبضع دقائق فأنا لم أتعود على هذا النمط من الرسومات، ويبدو أن العالم كذلك -من هنا جاءت تسميته بالمجنون- اللوحة تسمى اصرار الذاكرة، لوحة شاهدتها مئات المرات رسمت في عام ١٩٣٨  تمثل مجموعة من ساعات الوقت  ذوات العقارب التي كأنها تبدأ بالانصهار  أو إن شئت الذوبان، فيما بعدت شاهدت عشرات اللوحات الأخرى  وأنتم كذلك ، أكاد أجزم أنكم تعرفون اللوحات إلا أنكم قد لا تعرفون دالي، لوحاته مليئة بالمعاني المتناقضة والمعبرة عن الزمن – ادعوكم لبحث بسيط في جوجل وستكتشفون بانفسكم الفنان المجنون دالي – المهم أن ثبات الذاكرة أشعل لدي لوقت طويل عامل الزمن، كيف يذوب من حولنا وفي داخلنا وما يبقى منه سوى الذاكرة والذكريات، كل محاولاتنا اليوم لالتقاط لحظة من الزمن، في صورة أو ڤيديو هو محاولة لحفظ الذاكرة من الهروب ، لأنه لا بد لها من الهروب في النهاية.

وعامل الزمن عندنا نحن في الشرق يطبق عليه نظرية أينشتاين الشعبية عندما سئل عن نظرية النسبية، قال- أو هكذا يدعون أنه قال- تجلس مع من تحب ساعات فتبدو كدقائق، وتجلس مع من لا تحب دقائق فتبدو ساعات، نحن وبكل اسف نريد الأولى ولكننا نعيش غالبا برغبتنا الشخصية في الثانية.

الوقت يهرب منا ومن ذاكرتنا أسرع مما نتصور، ليس أبلغ من أن تسأل من جاوز السبعين كم مر عليك من العمر، سيقول كأنها أيام، نعم تهرب الذاكرة ويهرب الجسد، ولذلك تكلم العالم عن الوقت بمفهوم واضح وصريح أنه كالسيف في حدته، الوقت هو الذي يبعث لنا بمؤشرات حول واقعنا ونحن ما زلنا نعتقد أنه لن يرحل، سيبقى إلى الأبد، اللحظات الجميلة ستنتهي، واللحظات الصعبة سترحل، وستهرب الذاكرة نحو الأفق، فما هو الحل؟ لنعطي الوقت حقه ولا نصبح فيها كساعات دالي في ثبات الذاكرة.

اللوحة الثانية التي علقت في ذهني سنوات هي للوحة البجعات التي تنعكس فيلة، معانيها عميقة بين الجمال الناعم والقوة والحجم، فالفيل ضخم والبجع من أجمل الطيور، كل إنسان يستطيع أن يتصور ما يريد من هذه اللوحة، لكن هذه اللوحة تركت لدي انطباعاً حول من يبدون كالبجع في مناظرهم الجميلة ولكن ما يخلفونه أو ظلهم يعطي الانطباع أنهم فيلة وليسوا بجعاً، من هنا أجد روعة هذا العبقري المجنون في حياة كل منا، كيف إذا نظرنا حولنا شاهدنا التناقضات، في كل شيء، هل هذا قدرنا؟  هل هذا مستوى عقولنا؟ لا أعتقد، ولا أظن أحداً يرضى ذلك، إذاً لماذا نعيش التناقضات؟ سياراتنا جميلة، بيوتنا جميلة وشوارعنا مليئة بالقمامة، نلبس أجمل الملابس في الأعراس ولو لمرة واحدة حتى لا يقال لبسنا مثل فلانة، نريد أن تحتفظ الذاكرة بلحظتنا، نصر على ذلك ولا ندرك أنها ستهرب ويبقى الألم، ونبقى نحاول إحياء الذكرى.

سلڤادور هو رجل التناقضات، فنان يعبر عن داخلنا وواقعنا بأعماله الفنية الرائعة، بنمط شاربيه المعكوفين إلى الأعلى، لقد تجاوز بذلك قدرتنا نحن وحبنا للشوارب في الشرق، إلا أن شاربيه لا يقف عليهما الصقر كما يقولون فهما دقيقان ويمثلان جنونه وعبقريته.

الكثير منا لا يعرف دالي إلا أنه يعيش تناقضات دالي، بين الشيخوخة والشباب، بين حب المظهر والجوهر، بين الزمن والذاكرة.

ويبقى السؤال بدون إجابة، لماذا نحب أن نكون نقيض أنفسنا وحياتنا، لماذا نحاول أن نكون ما ليس نحن، لماذا نصر على البقاء عند الرحيل، والرحيل عندما يجب أن نبقى، لماذا كثيرة حولنا؟ أخشى أني لا أستطيع عدّها في زمن السرعة واختفاء الوقت الذي نبحث عنه.

وحتى نلتقي ليس عبثاً هذه الكلمات هي رسالة ستستمر، سيحملها كل فرد فينا حتى نعود إلى الجوهر، إلى الوقت وندرك عندها أنه لا يرحل، بل يرحل بنا تاركاً الذاكرة.

فسلڤادور رحل عام ٩٨ إلا أن عبقريته أبقته في الذاكرة فهل سنفعل نحن؟

رهط ٢٢/ تشرين ثاني / ٢٠١٨


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.