| | |

حتى نلتقي – الذئب والفراشة

ו- 07/12/2018 11:20
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب

يوسف أبو جعفر

استوقفتني عبارة صديقي عندما قال نحن أحياناً في زمن الذئاب، وربما ليس أحياناً بل أكثر ما نكون فعادة يعتبر الذئب متوحشاً لا يأكل مثيله، لعل هذا السبب الذي جعل العرب تقول إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب.

الذئاب تلك التي نسمع عنها وقد صدف أن شاهدها البعض في بلادنا، كانت البدو تطلق عليها مسمى الوحش، ففي طفولتي استمعت كثيراً لقصص كيف اعتدى الوحش على غنم فلان في هذه الليلة، وكيف بقر البطون وكيف هبت العائلة ليلاً لمطاردة الجاني الذي قد يكون كلباً وليس ذئباً، في حين يطلق عليه كثير من البدو ذيب دون الهمزة، والجميل أنها أيضاً فصحى، ولذلك رغم كرهنا للذئب إلا أن الكثير من الثقافات احتفلت بهذا الحيوان وأطلقت اسمه على الإنسان، وللحظة يبدو الأمر عادياً، فنحن نسمي ابنائنا نمر، أسد، أسامه، ليث، هيثم، صقر، وغيرها أسماء من عالم الحيوان.

الجميل هو أن الذئاب بالذات هي عالم اخر وعظيم عندما أعادوها إلى موطنها في براري محمية يولستون في غرب امريكا الشمالية، استطاعت أن تغير مجرى النهر ، وأعادت الزهور والطيور والحيوانات إلى المنطقة، فهي سيدة التوازن- لمن يحب يستطيع أن يشاهد وثائقياً كاملاً عن هذا الموضوع على يوتيوب-.

والسؤال المحير لماذا قال صاحبي ذلك؟  اعتقد أنه قصد ليس معنى التوازن، بل أن المجتمع تحول إلى ذئاب كثيرة وقطعان من الذئاب واختفى من عالمنا بقية الأشياء ففي نظر الذئب كل شيء هادىء لا يهاجم هو حملٌ وديع أو ظبي يجب اصطياده ليصبح طعاماً.

أذكر في المدرسة الابتدائية كان هناك درس رسم، وكان معلم المادة يتركنا نفعل ما نريد حتى جاء معلم بديل يوماً وطلب منا أن نرسم الحيوان الذي نحب أو نرى أنفسنا من خلاله، ويا لهول المفاجأة اذ تبين أن اغلب الصف قد رسم ما يشبه الأسد أو النمر تلك الفصيلة المفترسة، وعندما وجد طالبا قد رسم غزالاً كان يقول، حياتك ستكون صعبة، وعندما وجد من رسم فراشة كاد يبكي، بسهولة ادرك من خلال طفولتنا أننا لا نبحث عن جمال الحياة، بل نبحث عن غذاء الجسد ونرى ما

حولنا فقط وسيلة للوصول أو صراع البقاء.

لا ادري ما هي نسبة أهل الفن والأدب والشعر والحياة الإبداعية من رسم، وموسيقى، وتصوير فني- مش مطاعم- ولحظات فيها الذوق الإنساني يرتفع عن المستوى الحيواني وصراع البقاء، هذه النسبة مؤكدٌ أنها قليلة ومعدومة في كثير من المجتمعات، حتى يصل الأمر أن من يحمل بين جنبيه روح فنان يعاني الأمرين داخلياً وخارجياً .

ماذا ننتظر من مجتمع يريدنا أن نصبح ذئاباً – بمفهومه هو وليس مفهوم الذئاب – ويشجع على ذلك، ماذا ننتظر ونحن ننظر حولنا فنرى الذئاب البشرية هي التي تحترم، وهي التي تصبح سيدة الموقف، وهي التي تمتلك كل مقومات صراع البقاء، تنظر إلى البقية  على أنها طعام.

اعتقد أن الموضوع ليس صدفة، فهذه الفئة ليست ذئاباً إنها ضباع، أو أقل من ذلك، فالذئاب أسمى من تقتل بعضها، ونحن نفعل، الذئاب تذهب للصيد عند الجوع أما نحن ففي كل الأوقات، نحن أقرب إلى الضباع لأنها تأكل الجيف وتتحين الفرص للانقضاض حتى على من أعانها، ألم تذكر العرب قصة مجير أم عامر.

أليس من الإنصاف أن نعترف أننا نربي جيلاً سوف يأكل بعضه البعض، فالتوازن أصبح مفقوداً في المجتمع، لا أقول ذلك تشاؤما، بل أملاً أن نتنبه لما نحن فيه، كثير من اولادنا لا يحبون العنف، وعندما تكثر من حولهم الضباع البشرية يصيحون ويستغيثون ونحن نطالبهم أن يتحولوا إلى ضباع مثل الاخرين، هذا ليس إنصافاً، عندما كان البدو يعتدى على قطعان أغنامهم لم يطالبوا أنفسهم أو أغنامهم ان تتحول إلى وحوش، فكيف نطالب ابنائنا بأن يتحولوا إلى ضباع بشرية، نحن بحاجة لفهم ذلك جيداً، نريد من اولادنا فناً وأدباً وعلوماً ورقة وهدوء نفسٍ وطمأنينة، نريد منهم كل شيء إلا أن يتحولوا إلى ذئاب بشرية بل ضباع بشرية جائعة تبحث عن فريسة دون تفرقة، قتأكل كل شيء وأكثر طعامها من الجيف.

وحتى نلتقي، الأمم ترقى فقط إذا كان هناك توازن في الأمور، والمملكة الحيوانية مذهلة في ذلك، فنحن ندرك أن هناك ذئاب، ولكننا نرفض أن يصبح الجميع ذئاب أو ضباع، نحن بحاجة لكل النفوس الطيبة، تلك التي يمتلكها مجتمعنا، هذه بالذات نريدها أن تصبح فراشات جميلة تبعث بالدفء وترسل عند الحاجة إعصاراً يحرك العدل ليأخذ مكانه لتهرب الضباع إلى جحورها وتكتفي بالجيف.

رهط  ٧/ كانون أول/ ٢٠١٨

حساب فيسبوك


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.