| | |

حتى نلتقي : الخبيزة والنجيلة

ש- 12/01/2019 8:31
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب
يوسف ابو جعفر

يوسف ابو جعفر

هذا البرد الذي جاء معلناً أن الشتاء هنا، وهذا التقسيم المناخي، ذلك الذي يعطي الشمال الحظ الأوفر في الأمطار، ويعطي

الجنوب غالباً بعض الأمطار وكثير من عواصف الرمال، حتى أصبحنا نشتاق للمطر كي يسكت الغبار، ويرسل الأذن للربيع أن يحضر، وبين هذا وذاك يطوي الزمن بسرعة حباله فهو لا يتوقف.

أما أنا فأخذت موقعي أراقب البرد عبر النافذة في مدينة بئر السبع، هنا حيث أتوقف احيانا صباحاً، الجميع يدخلون المقهى وأيديهم تختبىء داخل المعاطف، قلة هي التي تنتظر وتجلس أكثرهم يحمل قهوته في يده وينطلق، زجاج المقهى يعطيك الحرية لتكون أمناً البرد.

الحديث يكون صباحاً كما نسميه بالعامية بالخاطر، ليس لدي القدرة على تنبوء رغبة الأفراد في الحديث الصباحي، أما أنا فما زلت أؤمن أن الصباح هو سيد موقف الهدوء لا أحب الصخب ولا النقاشات، أشعر أنه ملك اليوم فيه تستمع بوحدتك بين الجماعة.

من خلف الزجاج أشاهد العشب الأخضر الذي بدأ في الظهور، تذكرت أبي حين كان يرى الأعشاب قرب المنزل منها ما يبقيه ومنها ما يقوم مباشرة بقطعه، ضجيج المقهى مرتفع وأصوات القادمين كذلك، إلا أن بين الأعشاب أنواع ما عدت أعرفها، تلك خبيزة الربيع، خبيزة النقب لها طعم خاص، طعم الطفولة، طعم خشب المغزل وبواقي بهارات الطعام السابق تلتصق سوياً بخبيزة النقب فتعطيك نكهة يعجز عنها اروع الطهاة اليوم، قبل أيام قدمت لي زوجتي طريقة جديدة  لطبخ الخبيزة، طعمها طيب ولكنه ليس طعم الطفولة، هذه الخبيزة جزء من النقب ولا أبالغ إذا قلت أنها تختلف عن خبيزة الشمال، فخبيزة النقب صغيرة الأوراق  لا ترتفع عن الأرض كثيراً، تبقى تخاف الريح وتداري خوفها من الضياع بين تلك الأعشاب التي كان أبي يوصيني باقتلاعها كلما كنا جوار البيت.

ها هي أمامي نبتة النجيل، أو النجيلة، إنها من أسواء الأعشاب تبدو هادئة وادعة إلا أنها تضرب جذورها في الأعماق، كان أبي يقول تتبعوا جذورها لا تبقوها حولكم، هذه النوعية من الأعشاب حلوة المنظر سيئة الخلق، تقتنص الفرصة لتسيطر وتصبح هي سيدة الموقف، الويل كل الويل أن سيطر النجيل على الخبيزة.

ضجيج المقهى لا ينقطع، ورغم محاولاتي أن تتجنب عيوني أنظار الناس، ليس إلا حباً في الهدوء إلا أنه لا بد بين الفينة والأخرى من هز الرأس أو الابتسامة عندما تلتقي عيوني بأحدٍ يبدو وجهه مألوفاً، هكذا أعود لنافذتي أراقب الأعشاب، الغريب أن كثيرٌ منها ما عاد مألوفاً ولا أستطيع تحديد نوعيته.

لا ادري من  أين أتت هذه الأعشاب، فبلادنا كانت وما زالت إذا سرت في أوديتها وجبالها دون طعام ستجد ما يكفيك من أعشابها ليس فيها إلا القليل الضار، يبدو أن الأسمدة الكيماوية مفعولها قوي لدرجة أنها أنتجت جيلاً جديداً من الأعشاب، بين هذا وذاك يقترب هذا العصفور الغريب، لقد شاهدته منذ عشر سنوات ونيف لأول مرة، كان وحيداً وأنثاه استوطن أحد أعمدة الكهرباء أمام مكتبي في بلدية رهط، شدني صوته ظننته حينها زرزور قد تخلف عن الهجرة إلا أن لونه كان مختلفاً ومشيته المتكبرة اوحت إليَّ بالبحث عن اصله، لا ادري متى عرفت أنه طائر هندي قدم إلى بلادنا وقرر البقاء، المشكلة بدأت عندما ادرك المسؤولون أن هذا الطائر لا يبقي شيئاً، يدمر أعشاش الطيور الأخرى يجبرها على هجر موطنها، ويتكاثر بسرعة، فاختفت كثير من الطيور وهجرتنا وتغيرت البيئة من حولنا، هذا الطائر لا يفتئ يدمر ويمشي كالغراب ويوحي أليك أنه من سلالة ملكية ولكنه من  سلالة العابثين الذين هربوا من بلادهم واستوطنوا بلاد الغير.

أحب خبيزة بلادي وأقتلع بسرور نجيل بلادي، أحب الطيور المهاجرة، تفرحني رؤيتها عندما تتوقف في بلادي، إلا أني لا أحب الطيور تلك التي تأتي لتبقى وتدمر، هكذا أشعر رغم جمال صوت الطائر إلا أني رفضت حتى أن ابحث عن أسمه وأطلقت عليه الطائر الهندي، وعندما أراه ازداد اشمئزازاً.

ما زال الضجيج يزعجني إلا أني انتظر اقتراب وقت الخروج بعد قليل، خلفي جلس كل في همه، قال لي أحدهم أيمكنني مجالستك؟ وبدأت أعود من خلف الزجاج، شعرت أن برد الخارج دخل المقهى مع حديثنا، وأدركت لوهلة أن الزجاج رائع إلا أنه لا يحمي من البرد أذا فتحنا قلوبنا، وأنا انظر بحسرة على الخبيزة، ويستمر الحديث.

عندما غادرت المقهى كنت قد وضعت يدي في جيوب معطفي، جميلة هذه الأبواب الحديثة التي تفتح لك دون لمسها، شعرت بالبرد إلا أن أمطار الصباح الخفيفة والرذاذ المتساقط على وجهي كان كمن يذكرني بحبي للبرد، وحبي للشتاء، ليس عبثاً أن الأمطار تغسل الشوارع فهي تدفع بالخبيزة للصمود أمام النجيلة.

وحتى نلتقي ستبقى خبيزة بلادي هي الأفضل، ويبقى طعم مغزل والدتي أرقى من كل أنواع الخلاطات العصرية، أولاً لأنها أمي وثانياً لأنها أي الخبيزة طيبة الطعم، وسأبقى اقتلع النجيل، سأعطي نفسي الحق في الحديث بكل حرية عن حبي للخبيزة.

رهط – ١١/ كانون ثاني/٢٠١٩

هانت فيسبوك


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.