| | |

حتى نلتقي – الطَّوَل

ש- 09/03/2019 8:56
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب
يوسف ابو جعفر
يوسف ابو جعفر

عندما تتصارع الأشياء المنتصر الوحيد هو الزمن، فهو الوحيد القادر على طمس معالم حقيقية وإخراج معالم أخرى، ليس عبثاً أن الزمن يتحكم في الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية، ومن يحافظ على ايقاد شعلة الزمن هو الفائز في النهاية، لذلك الصراع الحقيقي هو مع الزمن وكل الصراعات الأخرى ثانوية.

في صراع الشعوب من يسيطر على ذاكرة الزمن هو من يفوز، ومن يخرج من دائرة الزمن هو الخاسر، انظروا جيداً حولنا، ما يحاوله العالم المهيمن المسيطر ليس تقديم الشعوب بل تطويعها، وكلما حاولت دولة الخروج من حبل الطاعة الذي يكون كطَّوَل الشاة – هذا  المصطلح يعني الحبل الذي تربط به الدواب يقصر ويطَوّل برغبة مالكها كم عليها ان تأكل وفي أي المساحات- أكثر ما تطمع فيه هو أن تكون متحكمة في طول الحبل وليس اقتلاع الوتد، وتبقى القضية الأولى محاولة طمس الذاكرة، لنطمس من خلالها الزمن.

هذه المحاولات مستمرة ولا تتوقف، على مستوى الجماعات، ولذلك احيانا نستغرب من استمرار حدث معين لا ينقطع، ففي قضايا المجتمع نبدأ بسرد الرواية وتأليف الحكاية كي نحفظ الذاكرة ونتحكم بالزمن، ولذلك لا نستغرب احيانا أن قضية ما لا تموت، كقضايا الظلم المجتمعي، أو الراوية التاريخية  وخصوصاً عند محاولة الطرف الآخر طمس الحقيقة حتى ينهض جيل لا يذكر ولا يعرف الصراع، هكذا وبدون مقدمات تختفي الأحداث أو تظهر بقوة الناشر وتفهم المستقبِل، من هنا ندرك الصراعات العالمية والإقليمية والمحلية، ذكرى جرائم النازية، ذكرى النكبة، التشريد، ضياع الارض، القضية الفلسطينية بمجملها، قضايا الثأر والدم، جميعها تعيش تحت صراع الذاكرة والرواية، من يروي القصة ومن يحملها للجيل الآخر، والأهم كيف تستمر الذاكرة.

في هذه المعركة التفوق حالياً هو للشعوب المسيطرة، لأنها تمتلك المنصة لإطلاق مواد حفظ الذاكرة المرغوبة وتمتلك أيضاً مقدرات ومحفزات النسيان والانشغال عن الحقيقية، لذلك ترصد المفكرين والكتاب والصحف وكل الوسائل كي تروي قصتها ولو في رسالة قصيرة او كذبة محبوكة جيداً وكأنها الحقيقة.

أما نحن في هذه المعركة مع الزمن فلم نفهم بعد ابعاد هذه القضية ومشغولون بالحاضر، وهناك كثير منا دون فهم وإدراك يعمل على ترسخ ذاكرة جديدة أخرى دون العودة إلى الخلف، لأننا لا نمتلك الأداة الرئيس للحفاظ على الزمن، عنصر الثقافة والعلم الأدبي.

لقد توجهنا نحو علوم الطبيعة وكأنها المفتاح للسعادة، ربما يكون صحيحاً نحو الأموال أما رقي الشعوب فهو رهين كل العلوم الأخرى السياسة والشعر والأدب والحكم، التاريخ والفلسفة، هذه العلوم هي مصدر الغنى والقوة للشعوب ولحفظ الذاكرة، هي التي تنتج له مجتمعاً متمكناً، متماسك ينهض عند الأزمات.

صراع الذاكرة ليس هيناً، من يذكر الصومال بشيء، من يتذكر معارك اليمن، وتدمير العراق وسوريا، قبل عامين كنا نبكي ليل نهار الان هناك من قرر رفع هذه الصراعات من الذاكرة، فهل فعلاً اختفت المأساة، كلا ما زالت ولكن من يتحكم بالذاكرة قرر إلغاء الذاكرة لدينا، لماذا لأننا ما زلنا مربوطون في الطَّوَل، هناك من يتحكم فينا ونحن جل صراعنا اصبح طول الحبل وليس اقتلاع الوتد.

هذا الطَّوَل ليس في معاملات الدول بل في حياتنا اليومية، كلما كان قصيراً كلما أصبحنا هزيلين لا نتحمل شيء ونفقد كل الاهتمامات ما عدا تلك التي تبقي بعض الرمق، والسؤال من سيقف في وجه التيار ليقتلع الوتد، حتى اليوم كلما أقدم أحد في الشرق على محاولة اقتلاع هذه الأوتاد نقوم باغتياله احيانا جسدياً وأحيانا أخرى فكرياً  ونزع الصفات الجميلة منه.

نحن أمام تحدي حقيقي كيف نستطيع  حفظ الذاكرة والعودة نحو الأصل، ليس هيناً أبداً وخصوصاً أننا نتعامل فيما بيننا بالحقد الأعمى وسياستنا مبنية على الحقد والكراهية والتخوين والتخويف، فأصبحنا كالشياه تتقاتل على مربع صغير من العشب لقصر الطَّول، وتركت المرعى الجميل دون محاولة النظر.

أمام هذا الهم الكبير لنا هنا في الداخل الفلسطيني، وأمام همنا الأكبر العربي الإسلامي لا نملك إلا محاولات متواضعة جداً من حرب الذاكرة، محاولات لسرد رواية أخرى.

وحتى نلتقي، انظروا جيدا أأنتم احرارأم في اعناقكم حبال تمنعكم من التفكير، تحدد أوقاتكم المؤيد والمعارض، الذي يريد والذي لا يريد أأنت حرٌ في  فكرك وقراراتك أم نعود دون شعور لقرون الظلام، الضوء والنورأمامكم فالشمس واحدة والكواكب والنجوم  كثيرة ، وليس هناك شموس فلم لا تخلعون الوتد أو تقطعون الحبل.

رهط  ٧/ آذار / ٢٠١٩


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.