| | |

حتى نلتقي – كليلة ودمنة

ו- 03/05/2019 8:31
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب
يوسف ابو جعفر
يوسف ابو جعفر

اعترف أني منذ عهد بعيد لم أعد لقراءة كليلة ودمنة فقد مضى زمن طويل تعلمنا فيه الكثير، إلا أني في الآونة الأخيرة بدأت ابحث عنه من جديد، بل وعندما وجدت كتاب الف ليلة وليلة بين الكتب التي أعدت ترتيبها شعرت بالسعادة، فسوف أعود لها بعض رمضان، ليس حباً في القراءة بل لكي أتعلم من جديد! في هذين الكتابين كثير من الحكم المبطنة، ولكن في نظري الشخصي تكمن روعة كليلة ودمنة في الفكرة من وراءه، وهي أن تقول ولا تقول.

نعم ثقافة المثل والقصة جزء كبير  من حياتنا، وعندما نلجأ الى صيغة المثال على لسان الحيوان حتى نُسمع أصواتنا لا يكون ذلك عبثاً، السبب الرئيس لهذا الأمر هو الخوف، فعبدالله ابن المقفع، أو بيدبا الهندي صاحبي كليلة ودمنه أدركا من اللحظة الأولى أنهم في زمن لا يستطيعون طرح افكارهم بشخوصهم فلجأوا الى الحيوانات لتحكي افكارهم وقصصهم، لماذا ؟ … لانعدام الأمن والأمان.

ورغم كل ذلك وجد ابن المقفع طريقه الى الموت، رغم ما قدم من أعمال أخرى للحاكم.

ليس هذا إلا دليل واضح على الخوف المستشري عندما يغيب الأمان، عندها يلجأ من لا يملكون القوة والحضور لمناقشة الأفكار إلى قتل أصحابها، وحينئذٍ تظهر افكار أخرى وأشخاص اخرون يرون في كليلة ودمنه وسيلة لطرح افكارهم وليس على لسانهم هم.

لا عجب أننا في الشرق ما زلنا نعيش واقع كليلة ودمنه، فالخوف سيد الموقف، في الشرق قد يختفي الكاتب أو المفكر، وقد يختفي الكتاب، ولا عجب أننا أصبحنا اكثر الشعوب أمية، ليس بمفهوم " فك الخط" بل لأننا قد نعرف الكتابة والقراءة إلا أننا لا نقرأ، والانكى أننا نخاف إذا وجدنا فكرة جديدة طرحها لانعدام الأمن، فليس لنا سبيلاً إلا كليلة ودمنة.

 ما الذي اغضب الحاكم من كتاب كليلة ودمنة حتى يقتل الكاتب المترجم عبدالله بن المقفع؟

هو نفس السبب الذي قاد جورج أوريل في منتصف القرن العشرين لكتابة احد اشهر كتبه مزرعة الحيوانات، هو علاج الحاكم، او انتقاد الحاكم، او تصحيح مسار الحاكم، نعم بكل بساطة، هو طرح سياسي فكري اخر غير المتعارف عليه والمقبول في زمن لا تستطيع فيه مناقشة الحاكم خوفاً من سطوته، فلا حول لك ولا قوة إلا  أن تستعين بشخصيات كليلة ودمنة.

إنه تبطين الأمور ومحاولة تنسيقها من جديد بهدف قد يكون برئياً وهو النصح والإرشاد أو من نظر الحاكم محاولة انقلاب.

وهكذا نحن اليوم بعد قرابة 1200 عام من كتاب كليلة ودمنة ما زلنا بحاجة لهما لطرح افكارنا في رهط، والناصرة وأم الفحم ، بل والعالم العربي والإسلامي، لأن الحاكم لم يتغير على مر هذه السنين إلا قليلاً، وعندما حصل هذا التغيير قفزنا نحو الحضارة، يوم فُصلت السلطات وكان بالإمكان ولو صورياً الطعن في قرارات الحاكم ازدهرت الحضارة العربية والإسلامية، وعندما استبد الحاكم اضمحلت، فلا عجب في زمن الاستبداد حضور كليلة ودمنة  من جديد على الساحة السياسية.

القضية ليست فقط بين الحاكم والشعب، بل اكبر هي بين الشعب والشعب، فكثير من المجموعات تحولت لنوع من الحاكم، لها سلطة القبيلة، والمساواة  في ارتكاب الجرم اختفت وحضر مكانها سؤال  مَن الذي ارتكب الجناية أو الجرم؟  فحسب  نسبه  نقرر نوع الحكم، هكذا ازداد شوق الناس لاستعمال الاستعارات كي لا يقعوا في مطب الصراع مع الحاكم او القبيلة او المجموعات القوية داخل المجتمع، شيئاً فشيئاً أصبحنا نعيش واقع كليلة ودمنة.

غيرنا قرر في اغلب الأحيان ان يضع الموازين للحريات ويطبق هذا الأمر، وفصل بين السلطات الأربع فلم يعد هناك حاجة للقلق، فالانتقاد واجب وله بداية ونهاية، والشخص له حرمة والوظيفة والموقع لهما حرمة، وأحياناً حصانة، لتسهيل التنفيذ والتطبيق، لا  لاعتبارات ضيقة شخصية.

تعيش كليلة ودمنة في المجتمعات المظلمة، كليلة ودمنة تختفي عندما تستطيع أشعة الشمس الوصول لكل الزوايا والخفايا، عندما ننادي بالعدل ونطلق حرية الفكر والإصلاح ضمن الموازين المحددة، فالمطلق الكامل هو دمار شامل، فالتقنين واجب والإنصاف حق للناس جميعها.

ليس من السهولة انتقاد أي فرد في زمن ثقافة الانتقاد تقع بين التشهير والتبجيل، فحتى ننتقد نبجل الشخص ثم نحاول انتقاده، وحيناً نسهر به بصيغة انتقاده. هكذا أضعنا المعنى الحقيقي للواقع، وعدنا نحو كليلة ودمنة.

وحتى نلتقي، لا أملك وصفة سحرية إلا أني اخشى ان تكون الطريق طويلة  نحو ثقافة واعية مسؤولة، نحو مجتمعات آمنة في حديثها وأفكارها، لا مجتمعات تعاني من التسلط  والمال والعدد فيها يحدد العدل.

رهط ٣/أيار / ٢٠١٩


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.