| | |

حتى نلتقي- حمير الرحى

ש- 11/05/2019 10:07
بقلم: يوسف ابو جعفر – أبو الطيب
يوسف ابو جعفر
يوسف ابو جعفر

لي صديق ألجأ إليه عندما اشعر بخيبة أمل، بحزن، بأي عارض يفقدني الأمل على المستوى العام وأحيانا الخاص، وقد تعودنا أن نقلب الأدوار، عندما اشعر بالإحباط يرفع من معنوياتي وآمالي، وأنا بالمقابل أكون له عَضُداً عند الحاجة، علاقاتنا قوية وليست مربوطة بلقاءات متكررة، فنحن نكاد لا نلتقي وجهاً لوجه إلا نادراً، ولكنا عندما نلتقي لا نعاتب الواحد الأخر، فمثلنا مشغول في حياته وعمله.

شكوت له منذ أيام أن ما عرفناه في شبابنا لا يعرفه أبنائنا اليوم، وكيف أصبحت كلمات الأمس تلك التي كانت أكبر أمانينا بين يديهم اليوم لعبة، وكيف عادت الأمور في نظرنا إلى الأسواء وهم يرون الدنيا لعبة ويريدون الحصول على كل شيء بسرعة، وأن هموم الشباب أصبحت تفتقر إلى تفكير ومبادئ في زمن اختفت فيه الايديولوجيات وأصبحت أكبر الهموم أنواع السيارات.

ضحك من تعريفي وقال، العالم يتحرك ولا يتطور، الذي يتطور جزء يسير من العالم، ومن يتطور يستطيع الصمود في وجه الأزمات والعواصف، أما الذي يتحرك فهذا تسمع له ضجيجاً ولكن في مكانه، وقال في الماضي كانت المطاحن فيها حجارة رحى كبيرة، يدور بها حمار على القمح لتخرج طحيناً، الحمار يتحرك والطحين للسيد، تطور العالم واستغنى عن حمار الرحى ليخترع ثورة في الصناعة وما زال هناك من يعتقد أن حمار الرحى هو الذي كان يعد الطحين، ونسيَّ أن الحمار كانت مهمته أن يتحرك فقط، ليس لأنه فقيه في صناعة الطحين بل لأنه الأنسب للحركة.

حمير الرحى ظاهرة موجودة تتحرك وهي لا تدري ماذا تصنع ومن المستفيد من الطحين، أو ماذا يصنعون من الطحين، وحتى لا يحزن الشرقيون ففي عام 2007  ذهبت لدراسة دورة عملية في جامعة كولومبيا في نيويورك، ولأن المنحة الدراسية من شركة فورد قمنا بزيارة مصانع الشركة في مدينة ديربورن بولاية ميشغن، وكضيوف قام مدير المصنع بإعطائنا نظرة عن قرب لرؤية تركيب السيارات، وهناك وللمرة الأولى أشاهد حمير الرحى العصرية مئات من العمال البسطاء الذين يقومون بعمل روتيني مرهون بالثواني، نعم بالثواني، وبتكرار عجيب، لا يستطيعون الحديث أو التفكير فيما يقومون به، عندما سألت أحدهم عن طموحه قال؛ أن يستمر في العمل، وأخر أجاب أن لا يخسر عمله، قليل من رأى عمله فرصة للتطور. لا شك أن اغلبهم من بسطاء الناس الذين يحلمون بدفع رواتبهم في نهاية الشهر، وأحلامهم قد لا تتعدى اقتناء سيارة فورد.

هكذا نتج جيل يتحرك في العالم، لا يتطور، ليس لعدم مقدرته على التطور، فالحمار رُبط بهدف واحد وهو أن يدير الرحى، وهناك من يصر على ربط جيل كامل من أمتنا ومجتمعاتنا إلى الرحى.

من هؤلاء ولماذا يفعلون ذلك؟ لا أعتقد أن هناك إجابة واحدة ولكنها محاولات مني لتشخيص الحالة كما أراها.

أصحاب المصالح هم من يحتاجون هذه النوعية من البشر، والمقصود بالمصالح الاجتماعية، المهنية، السياسية، القومية، الوطنية، المالية، المؤسساتيه، العسكرية، وكل مصلحة يريدون فيها هذا النوع من البشر، نعم ليس كل من يحتاجونه ولكن الغالبية العظمى، هذا النوع الذي ينفذ ولا يفكر، بل وسعيد جدا أنه يتحرك ولا يفكر، انظر حولك الجيوش معظمها حمير رحى، قد يمتلكون الطائرات والدبابات ولكنهم في الأخير يخدمون كحمير الرحى.

هناك نوع أخر يشجع على وجود حمار الرحى وهو  ابناء الجلدة الذين ينظرون بخطر للتغير ولفهم الناس، فعندما يفهم الناس سيفقد هؤلاء مواقعهم من الخصوصية والعاجية، ولذلك تجدهم يهتمون كثيراً  بإغراء الناس وتشجيع  الإحساس المزيف بالحرية والعدل، ولذلك تكثر في بلاد الشرق مصطلحات الشفافية ولكنها مفقودة جداً، فالمياه عكرة وليست شفافة، آليات الخداع والتزييف والواسطات والبخشيش، وكل الوسائل لاستمرار التعلق بصاحب المصلحة، انظروا ماذا يحدث في  الدول الشرق اوسطية، الجوع والعجز والفقر والجهل وهناك من يغني ويبعث بحاكم مستبد لقيادته ويرقص طرباً او يهتف بشعارات دينية لتثبيت صاحب المصلحة، وما مصر عنا ببعيد.

 وحتى نلتقي، حمير الرحى ظاهرة تجتاحنا بلا رحمة ولا هوادة، تقتل فينا الإبداع والتطور، تجعل منا آليات تخدم مصالح محدودة، همنا الأول والأخير الطعام والشراب والسقف، وهو الهم الأخير، ليس عبثاً أن ثورات العرب تقوم عند الجوع بالبحث عن رغيف الخبز، وليس عبثاً أننا نقف مع من يهدم سقفه، وليس صدفة أن هجم الناس في رهط قبل عامين للحصول على ارض لسقف يبنونه فوق رؤوسهم.

هناك من يريد منا أن نبقى هكذا كل لمصلحته، وللأسف ليس من السهولة تحطيم هذه المنظومة فالجائع لا يحلم بكتاب بل بكسرة خبز، وصاحب البيت القديم يخشى من سقوط السقف في رياح الخريف.

ربوا أبناءكم بحكمة فلا يسقطون في دائرة الذي يحرك ولا يتطور، ارسموا لهم أحلاماً أكبر من السقف ورغيف الخبز، حتى نرتقي.

رهط ١٠/ أيار / ٢٠١٩


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.