| | |

حتى نلتقي- لحظات صمت

ו- 31/05/2019 10:35
موقع هانت - الموقع الاخباري الاول في النقب
يوسف ابو جعفر
يوسف ابو جعفر

قبل أيام وعند الغروب وفي لحظة واحدة استمعت للهدوء لأول مرة منذ سنين، كان كل شيءٍ قد توقف للحظة سكون عجيب يبدو أن وقت الطعام الموحد في رمضان قد جلب الصمت المطلق، فقد سكنت الريح، وانقطعت للحظة حركة السير وهدأت الطيور، واختبأ الناس، حتى بدى لأول وهلة أن الأفواه قد أطبقت وخرج الصمت  الرهيب، ولكن يا للأسف لم تتعد هذه اللحظة الثواني المعدودة  ومن المؤكد أنها كانت أقل من دقيقة، انطلق الصخب من جديد، وليصبح سيد الموقف ولا جديد تحت الشمس كما يقولون، ويعود الضجيج من جديد، لا أحد يعرف لحظات الصمت إلا من عاش اللحظة .

الأزيز المستمر من حولنا والصخب والضجيج هي أصوات نشاز للإنسان، هي مقدرات صنعها بيديه يوماً ما لهدفٍ ما ثم بقيت هناك، والمحزن أنه تعود عليها حتى اعتقد الكثير من الناس أن هذا الأمر الطبيعي،

وأنه ليس هناك لحظات صمت، وبين هذا وذاك أضعنا القدرة على إعادة الصمت لحياتنا.

عشرون عاماً مرت عندما استعمت للهدوء  بوفرة، يومها كنت في زيارة لأصدقاء لي في قرية صغيرة في شمال بولندا، يقطنها ثلاثة عشر بيتا، على ضفاف بحيرة وادعةٍ، وخلف البيوت تمتد غابة أشجارها عملاقة خضراء تعانق رؤوسها عنان السماء، عندما وصلت للقرية كان الليل سيد الموقف، خلدت الى النوم فقد انهكت من السفر، في مساء اليوم التالي وعند مغيب الشمس دخل الصمت بقوةٍ، في البداية كان الأمر مخيفاً، فليس هناك أصوات أبداً عدا مضيفي، كان يتحدث بهمس بل أصر أن نطفئ الكهرباء ونكتفي بنور القمر، واقترح عليَّ أن نتوقف قليلاً عن الحديث ونصمت ونراقب السماء، كانت صافية مليئة بالنجوم، لم استطع تحمل الأمر فقد بدا ضرباً من الجنون، وفي اليوم التالي والذي يليه وهكذا حتى إذا انتهى الأسبوع الأول كانت ساعات الصمت تزداد ووجدت رغبة ولذة كبيرتين في هذا الهدوء والصمت.

الصمت وجدته كذلك منذ سنوات عندما كنت أقف على حدود الصحراء في الليل لاكتشف قوة الصمت، هذه القدرة العجيبة التي تمنحنا لحظات التأمل الحقيقي، فقط عندما نصمت نستطيع اكتشاف الأشياء من حولنا.

نكتشف كم أصواتنا مرتفعة في الحديث، بل أحياناً نصرخ ولا نتحدث، نكتشف أننا لا نسمع كل الأشياء الجميلة من حولناً، نكتشف أصواتاً رقيقة وأخرى نشازاً، نكتشف أننا أنهكنا أنفسنا في محاولة الاستماع وليس الاصغاء، نكتشف كم ابتعدنا عن الصمت الذي يلهمنا ويكشف أخطر من ذلك كله ما بداخلنا.

الصمت يأخذنا إلى أنفسنا نسافر فيها نحو الأمل، نحو الحقيقة المخبأة بين الضلوع، نحو أسرارنا الدفينة نحو حقيقة من نحن، الصمت هو الذي يرشدنا في مغاور الصدور تلك التي تحمل في طياتها الكثير من الحب والحقد من العطف والحزن، من الفرح والخوف، فقط عندما نصمت للحظة نبدأ بالكشف عن حقيقتنا دون رتوش، من نحن وأين نحن.

كثيرٌ منا لا يريد السفر نحو الداخل وما يبحث عنه السفر الى الخارج، فالسفر الى الخارج مريح لا يحتاج لأكثر من اطعام الجسد ورؤية ما يسر العين، والحقيقة أن السفر للخارج ما هو إلا خوفاً من السفر الى داخل أنفسنا كي لا نكتشف ما فيها، والأنكى ما وضعناه نحن وما وضعوه الأخرون فيها، نعم فالسفر الى الداخل بحاجة الى صمت مطلق كي نعبر بهدوء، الصمت هو جواز السفر الذي بدونه لن ندخل، ولن يسمح لنا بالمرور.

نحن بحاجة للصمت لنتعرف على كل شيء حولنا، ماذا نحمل في طياتنا؟  من زرع فينا حباً؟  من أعاد لنا أملاً مفقوداً، من أعاد لنا التوازن، وكيف نحافظ عليه؟

ليس الهدف أن نصبح رهبان الصمت بل لنحاول الاكتشاف كي نحصن أنفسنا نحو الاستمرار، ولا يصبح الضجيج شعار الحياة.

وفوق كل ذلك كيف نتخلص في حياتنا من أصوات الضجيج تلك التي ترهقنا؟  تلك التي تحطم الجميل من الحلم، تلك التي لا نريدها.

الذين يبحثون عن الإبداع، الطلائعيون، القادة كل من هو في موقع المسؤولية إن لم يبحث عن لحظات الصمت فسيطول طريق تحقيق الأمل، الذين يرسمون معالماً لغد أفضل يجب أن يسافروا الى الداخل، من خلال الصمت كي يكتشفوا أغوار الطريق وحواجزها.

جربوا الصمت ولو قليلاً اخرجوا من الضجيج ستكتشفون ما بداخلكم من قوة، من إرادة من اصرارٍ على السير، الصمت هو صومعة العابدين، دليل الحائرين، فيه يختبأ فانوساً يشعل نور الحقيقة في ظلمة النهار.

وحتى نلتقي، من لا يحاول لا يعرف ولن يعرف الصمت، من لا يريد خوض التجربة ليس مجبر على ذلك، كم منا نصحه الطبيب وعندما استفحل المرض عاد باكياً ويقول يا ليتني، في الصمت الحلول لأكثر قضايانا، في الصمت تتجدد الحياة نحو الأفضل.

رهط  31/أيار /2019


الإسم* :
البريد الإلكتروني (لن يتم نشره):
البلدة:
التعليق* :

  • Sorry, there are no polls available at the moment.